الأخبار

الحرب المؤجلة والطوفان

د.فيصل عمر الزبير يكتب

112

الحرب المؤجلة والطوفان

بعد استيلاء الاخوان المسلمين لدفةالحكم في السودان عبر ذلك الانقلاب في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ ومجئ حكم الانقاذ، انتشر الفساد المالي والاداري وضربت الاخلالق والمكارم السودانيه في مقتل. وتفشي الظلم والاستبداد والمحسوبيه وظهر فقه التمكين والاستيلاء علي كل مفاصل الدولة بعد الضوء الاخضر من عراب النظام الذي ذهب للسجن حبيسا للتمويه والتغطيه بدأ الاخوان حكمهم لاسودان ومشروعهم الحضاري بالكذب علي الشعب والعالم

ولكن سرعان ما تم اكتشاف هذه الكذبه وان من استلم مقاليد الحكم في السودان هم الاسلاميون بدعم لوجستي واعلامي من التنظيم العالمي للاخوان. وبدأ المنظرين في تفتيت الخدمه المدنيه من اول وهله وكذلك التعليم العام والعالي والمرافق الصحيه الحكوميه. وشهدت بواكير عهد الانقاذ تغيير السلم التعليمي في البلاد بدون دراسه ولامراجعه للسلبيات.

لقد تم شيطنه التعليم العام والعالي بابتداع التعليم الخاص منذ مراحل ما قبل التعليم المدرسي حتي الجامعات مما ادي الي خلق فوارق اجتماعية كانت نتيجته انقسام المجتمع السوداني المتماسك الي طبقتين، طبقه ارستقراطيه تعيش قمة الرفاهية والنعيم ويجري المال من فوقهم ومن تحتهم من ابناء الطبقه الحاكمه والوزراء علي المستوي الاتحادي والمحلي ومعهم طبقة التجار الطفيليه التي ظهرت علي السطح كلهم في قمة الهرم الاجتماعي علي حساب الشرفاء من التجار والذين تم التآمر عليهم عبر فرض الضرائب الباهظه والاتاوات والمكوس وطبقه اخري مهمشه او تم تهميشها وتضم حوالي ٩٥% من ابناء السودان او اكثر بقليل وتلاشت الطبقة الوسطي التي كانت تعمل علي حفظ المسافه وخلق التوازن الاجتماعي بين الطبقتين .

فابناء الطبقة الاولي الارستقراطيه الجدد والذين ولدوا من رحم الفساد والاستبداد التي استولت علي كل شي من وهم من ابناء المصارين البيض والذين تم عزلهم عن ابناء الطبقه الثانيه من البروتاريا والفقراء والمهمشين والذين يعيشون في اطراف المدن واطراف البلاد بإنشاء منظومة تعليميه خاصه بابناء الطبقه الاولي من مدارس علي اعلي مستوي من الاعداد والتجهيز من البنيات التحتيه ذات الطوابق المتعددة والاجلاس المستورد والمعلمين المتميزين وبها كل اسباب الراحه التي تقود الي التفوق و بمناهج قد نكون اجنبيه احيانا ويدفع الطالب في هذه المدارس رسوم يسيل لها اللعاب انها مدارس بمواصفات ومعايير عالميه في كل شي

اما ابناء الطبقه الثانيه حدث ولا حرج مدارس تفتقد لكل شي فصول بلا اثاث وبلا اسوار ولا مرافق صحيه لتضم ابناء الغبش ومن ابناء مناطق الهامش وهذا علي المستوي الراسي والافقي للسودان. مدارسهم مشيدة من مواد محليه من قطاطي وكرانك (جمع كرنك مبني من القش والمواد المحليه) والجلوس علي الارض. وبلا معلمين.

ويأتي الجميع في نهاية المطاف للجلوس لامتحان موحد هو امتحان الشهاده السودانيه في ظل هذا لتباين الرهيب والمعيب والذي يجعل المنافسه غير عادله تماما ببن طلاب ابناء الطبقتين مما يؤدي الشعور بالظلم والغبن مما ادي تهتك النسيج الاجتماعي بالسودان. فكيف ينصهر ابناء الطبقتين المتباينتين الارستقراطيه المنعمه مع ابناء جلدتهم من البروتاريا والفقراء ؟. اليس هذا الامر كافي لقيام ثورة الجياع والمهمشين ان ابناء الطبقه الثانيه يدفع أولياء امورهم الضرائب والجبايات للدوله دون ان تعود عليهم في شكل خدمات من المدارس والمرافق الصحيه؟.

وكذلك برزت المشافي الخاصه بنفس الفهم مما ادي الي تعميق الهوه بين الطبقتين وزاد من تفكك وتهتك النسيج الاجتماعي وزاد معدل الشعور بالغبن والتمييز الطبقي في للسودان. حقيقة ان السودان كان بحتاج لثوره تشبه الثوره الفرنسيه العظيمه لاعادة الامور الي نصابها واعادة رتق النسيج الاجتماعي بهدم المعبد علي الرؤوس واعادة تشكيل وترتيب الطبقات من جديد وان تعود الطبقه الوسطي للوجود.

كان الشعب السوداني يراوده الحلم بذلك بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨ المجيده والتي تمت سرقتها في مهدها. ان الحرب العبثيه الحاليه كان يحتاجها السودان بشده وكان هناك بركان يفور تحت الارض وزلزال يلوح في الافق وكان هنالك شجر يسير كما قالت زرقاء اليمامة لاهلها. حتي انفجر برميل البارود الصامت في ١٥ ابريل ٢٠٢٣.

فكانت الحرب تمثل ثورة الهامش علي المركز ثورة علي الظلم والاستبداد من الطبقه الاولي التي حازت علي كل شي وتركت للطبقه الثانيه من ابناء الهامش الفتات. وان ما جري ويجري الان هي معركة بين الحق والباطل وبين الارستقراطية والبروتاريا انها لمعركة المؤجله وهي معركة كسر عظم الطبقات الاجتماعيه وتجبير كسور البلاد حتي يشفي الجرح وتعود للسودان عافيته.

وكما ذكر استاذي و صديقي البروفسور البوني قبل سنوات محللا واقع المجتمع السوداني الاجتماعي بانه إذا جرت الامور في السودان علي ما هي عليه سوف ينقسم بنيان الشعب السوداني وسيذهب الغني والعلم والجمال في كفه وليغرد في عالم لوحده والفقر والجهل والقبح في الكفة اخري اي مجتمعين متوازيين لا رابط بينهما فكل يعيش في عالمه الخاص العالم الاول مشغول بما حباه الله به من نعم والعالم الاخر يشقي بما قسمه الله لهم فهذا فضل الله يؤتيه لمن يشاء من عباده وبغير حساب .


فما يجري في السودان من حرب عبثيه و زلزال كان متوقعا سلفا حتي ترجع الامور الي نصابها وان يراجع الناس انفسهم وان يعود للمجتمع السوداني تماسكه الاجتماعي المعروف من جديد وردم الهوه بين طبقتي المجتمع ويعود الناس للتواصل وتعود الطبقه الوسطي للظهور من جديد، وان ينتهي التمييز في مجال التعليم العام والعالي والصحه وان تعود للمدارس والجامعات الحكومية هيبتها وشرفها وعافيتها المعروفه وان تعود المؤسسات الصحيه الحكوميه لاداء دورها لكل ابناء الشعب السوداني بلا تمييز وبلا استثناء ولا استعلاء اثني ولا جهوي. وان يعود الي الينا سوداننا المختتطف من ٣٠ عام ولينعم بالرخاء والامن والسلام والطمأنينه وما ذلك علي الله ببعيد.

لا للحرب ونعم لان ترفرف اغصان الزيتون في كل المدن والارياف والشوارع وان تضع الحرب اوزارها.

د.فيصل الزبير – جامعة الخرطوم

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد