أبرز العناوين

في مقام الاحتفاء بمجموعة «إحساس مُحرَّم»، للكاتب اليمني راجح المحوري

30

في مقام الاحتفاء بمجموعة «إحساس مُحرَّم»، للكاتب اليمني راجح المحوري

قراءة جمالية في عتبات النص وأنساقه الثقافية

بقلم: محمد الخير حامد

في المجموعة القصصيَّة «إحساس مُحرَّم» للكاتب اليمني راجح المحوري؛ يجذبك، ومنذ الوهلة الأولى عنوانها المُثير، الذي حِيك بمهارة تنم عن وعيٍّ ذاتيٍّ كبير، وسعي مسبق من الكاتب، لصنع حالةٍ من التشويق لدى القارئ، وكل ذلك عن قصد وبتقنية جمع المتضادات.

إحساس محرم

فكلمة الإحساس لها دلالاتها الحسِّية الجميلة المعروفة، وهي مرتبطة بالأذهان –وفي غالب الكتابات أيضًا- بالجانب الإيجابي من المشاعر. لكن الكاتب عمد في تركيبه لعنوان المجموعة إلى ربط المفردة الإيجابية بمعنًى مغاير وهو التحريم، فكان الإحساس مُحرَّمًا، وهذا حقق له المُبتغى، أي خلق التشويق لدى القارئ منذ عتبة النص الأولى، ليبدأ الأخير منجذبًا ومتسائلًا: «لماذا صار الإحساس مُحرَّمًا؟»، وأظنه لن يندم عندما يقرأ المجموعة ويكملها ويعرف أسباب ذلك.

وفي العتبة الثانية وهي التصدير يكتب: «في وطني لا تنبت شجرة الصبَّار نتيجة انفلاق بذور عاديَّة، بل نتيجةَ أحلام سقطت في الأرض على شكل قطرات مالحة». ومن هنا يمكن قراءة الأنساق الثقافية المضمرة. فالكاتب – في ظنِّي وتقديري- أراد أن يعلَّي من قيمة الأحلام، أو ربما بالمقابل؛ الإشارة إلى الإحباطات المتكررة بالسقوط وتكسُّر الطموحات أمام صعوبات الحياة ومعاناة بلد عانى من الحروب والتشتت وعدم الاستقرار لفترة من السنوات.

لكن من الناحية الإيجابية والإبداعية أيضًا؛ هو يرمي إلى نسق التفرُّد ويدعو إليه بنبذ المعتاد، ويتأكد ذلك في عتبة أخرى عندما يقول: «أنا أتجنَّب المرور من أمامك زهدًا في عينينك الدافئتين، لكنني أخشى أن تسقط عن وجهي ملامح الغرابة، فأغدو مألوفًا كقصاصات المعجبين التي تهطل على قدميك طوال الشارع».

ورغم أن هذا التعبير مغلَّفٌ بالخوف، ومليءٌ بالتوجسات؛ لكنه يشير إلى تأكيد نسق التفرُّد والتجاوز والبعد عن تقديم المألوف.

أما في الإهداء وهو عتبةٌ ثالثة، فالكاتب معنيٌّ فيها بقيمة الوفاء ورد الجميل لمن ساهموا في تكوينه، سواء كان هذا المساهم والده المتصالح مع ذاته، أم كانوا أشخاصًا آخرين. لذلك فهو يهدي العمل إلى أبيه الذي – على حدِّ وصفه- لم يقطع صدقات التَبَسُّم في وجوه الكارثة، وإلى آخرين رموا إليه المجداف، ودفعوا إلية بقارب النجاة ليبحر من شواطئ الكذب إلى أعماق الصدق الفني.

وهنا تبدو قيمة الوفاء واضحة، وتظهر الأنساق الثقافية المضمرة في وعي الكاتب، وهي قيم التصالح ورد الجميل والاعتراف بأفضال الآخرين.

لكن التفرُّد الفنِّي في المجموعة، وعدم العاديَّة فيها؛ تجسَّد في التفكير الإبداعي لدى الكاتب، ومراوغته المخاتلة، وتقديمه لمعالجات فنيَّة ذكيَّة، وفي سحر اللغة وجماليتها، وفي عنصر الخيال غير المجنَّح، وسأدلِّل على ما ذكرت ببعض النماذج من المجموعة.


فعندما يقول مثلًا: «يرج رأسه من الخلف.. يحد نظره في الفراغ ويتذكر لحظة اللقاء الخاطف حين تناول منها المظروف…» فالكاتب هنا يحيلنا إلى مشهد سابق بحيلة وتقنية معروفة لدى الكُتَّاب، وهي تقنية التذكُّر. لكن شكل المشهدية والصورة الفنيَّة التي يستخدمها عند الإحالة تنافي المألوف.

وهنا يصبح اللجوء إلى هذه التقنية لجوءًا غير عاديّ، ومرتبطًا بتقديم صورةٍ ومشهدٍ قويٍّ، وهو مشهد رَج الرأس والنظر في الفراغ.

وفي موقع آخر مثلًا يقول: «أحتاج ذاكرة جديدة أو حتى رأساً آخر.. لا يهم كم سأنفق من الوقت لأقنع أطرافي بالتعاون مع الرأس الغريب». وهنا تظهر عدم العادية بغرابة الفكرة والحيلة التي صنع بها الغرابة وحالة التشويق لدى القُراء.

وهذه مجرَّد أمثلة بسيطة لما حفلت به المجموعة من جماليات وتشويق. وبما أن المساحة لا تسع للتجوَّل الكامل في براحات المجموعة القصصية للكاتب راجح المحوري، والصدح بكل ما يمكن أن يُقال فيها من جماليات؛

فسأكتفي هنا بالقول بأن مجموعة «إحساس مُحرَّم» لفتت نظري، وهي عندي بلا شك من المجموعات القصصيَّة الجميلة، التي تكاملت فيها عناصر الجودة الفنيَّة -وإن اختلفنا مع رؤية كاتبها أو أسلوبه في بعض الجزئيات- إلَّا أنه قدَّم من خلال المجموعة معالجات أدبية جمالية لما يحمل من رؤى وأفكار، واستطاع ببراعة واتقان، وبما امتلك من أدوات وعناصر الكتابة الجيِّدة،

وهي: الأفكار المتجاوزة، اللغة الجميلة، والمعالجات الفنية الذكية، مع توفر القدرة على توظيف تقنيات القص باحترافية عالية؛ أن يخلق المتعة عند القراءة، وتمكَّن من صنع التشويق المطلوب لإنجاح عمله الأدبي الأول.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد