الأخبار

مجاهد بشرى يكتب: جزرة اتفاق سلام جوبا

100

مما لا شك فيه ان البرهان يدرك بأن نقطة ضعف الأرادلة هي اتفاق سلام جوبا الفاشل و الميت سريريا . ربما لأنه يعرف بأن الحركات التي جلست في السلطة لمدة عام و 9 اشهر و 4 ايام دون أن تستطيع ارغامه على تحقيق بند واحد من الاتفاق , أو حتى منع مليشيا الجنجويد من قتل المواطنين العزل في دارفور بلا حساب , هي حركات لاهثة خلف السلطة ومصالحها الخاصة فقط , فهي حتى اليوم لم تقم بخطوات جادة لمحاسبة مرتكبي جرائم دارفور والنيل الأزرق و جبال النوبة , بل تجلس تحت ظل الجنجويد خانعة وصامتة على استمرار الانتهاكات و المذابح, فأصبح القاتل بالأمس و اليوم هو صاحب السلطة , بينما حركات الكفاح و النضال هي التابع الذي يستجدي القاتل ان يسُنّ له القانون حتى يستطيع ان يمنعه من قتل المزيد من أهله .

هذه المعرفة قادت لفهم حقيقة عدم امتلاك هذه الحركات لأي قواعد شعبية , أو برامج يمكنها ان تجذب إليها اي سند شعبي يمكنها من الضغط على البرهان و دقلو لتنفيذ الاتفاق, فحاكم إقليم دارفور مناوي يجلس اليوم دون سلطة , و يشتكي من تآمر و اشتراك القوات النظامية في مقتل رعاياه ويبكي عند كل مايكرفون و ينتحب أمام كل كاميرا, دون أن يستطيع أن ينهي او يأمر ولو مجند في هذه القوات , بينما يشتكي سليمان صندل طوال هذه الفترة الماضية من عدم جدية العسكر في تنفيذ بند الترتيبات الأمنية , او حتى حل مسألة جنوده المفقودين منذ عملية الذراع الطويل قبل عدة سنوات, ولكنه اكتفى بالصمت حتى لا يفقد زعيمه جبريل منصب وزير المالية الذي يستغله لمصلحة حركته .

وامام هذه الحقائق المُهمة , نلاحظ بأن البرهان اتخذ اتفاق جوبا كجزرة يلوح بها أمام الحركات ليلعبوا أدوارا مهمة في خطة البرهان حتى ولو كانت هذه الأدوار ستؤدي لنشوب حرب أهلية تحصد الملايين من السودانيين , وفي سبتمبر 2021م رفع البرهان جزرة الاتفاق ليجعل من الحركات حاضنة سياسية تُمكّنه من الانقلاب على الوضع الدستوري القائم وعلى الحكومة الانتقالية, مع وعد منه بإبقاء كل استحقاقات سلام جوبا دون المساس بها .

و وافقت الحركات دون تردد و أقامت اعتصام الموز الشهير في الـ16 من اكتوبر امام القصر الجمهوري و بحماية العسكر, لتستحضر روح الانقلاب الشريرة في تجمّع ملئ بطقوس الخيانة للمبادئ , وتحت ترانيم تدغدغ مواطن الخلاف , وتُشيطن الإنس وتُبرّئ العفاريت , وقد كان لهم ما أرادوا من انقلاب.

لكن بعد 8 أشهر و 13 يوما من انقلابهم الفاشل , أفاق وكلاء الانقلاب من سكرتهم تحت ضربات الثوار السودانيين الذين أفشلوا المخطط الانقلابي منذ لحظته الأولى عبر حراك منظم لـ255 يوما دون أي بوادر لتوقفه , و للعجب العجاب , أصبح الانقلابيين هم من يدعون إلى الحوار , و يهرولون بين الموائد و القاعات باحثين عنه بعد ان فشل انقلابهم , و كأنما هذا الحوار لم يكن خيارا متاحا قبل الـ 25 من اكتوبر .

رفض الشارع والقوى السياسية للجلوس في أي حوار أو تفاوض مع وكلاء الانقلاب , و اتخاذ بعض مكونات الثورة الأساسية للطريق الجذري برفع شعار لا تفاوض لا شراكة ولا شرعية دفع بالجيش المتسبب الأساسي في هذه الأزمة , و مرتكب الإنقلاب إلى الانتقال للخطوة التي بعدها , وهي ارتكاب انقلاب ناعم جديد يُطيح بمجلس السيادة الانقلابي و يضع الجنجويد و الجيش على رأس السيادة مما يعني انقلابا ثالثا على اي حكومة تأتي , اذا ما طالبت بمحاسبة العسكر والجنجويد على جرائمهم او تحدثت عن اموالهم , ولضمان موافقة الحركات التي تحت رحمة البرهان واتفاق جوبا , عاد رئيس الانقلاب لرفع جزرة الاتفاق من جديد مؤكدا لهم بأن حصصهم لن تُمس ولا اتفاقه معهم , وكأنما الزمن يُعيد نفسه لما قبل الـ 25 من اكتوبر .

وهنالك تساؤل يطرح نفسه بقوة : ” رجل مثل البرهان انقلب على شركائه , و غدر بالمعتصمين هو ونائبه , وعاد من جديد فطرد اعضاء مجلس انقلابه من المدنيين , ومازال يواصل في غدره وأكاذيبه , هل يُمكن الوثوق بشخص مثله , وهل الحركات يائسة لدرجة أنها تضع مصيرها و تاريخها كله مقابل الا تفقد الشئ الوحيد الفاصل بينها و بين نهايتها المحتومة ؟

هذا يعني أن كل الحركات المسلحة لا تملك أي شيء الان سوى اتفاق السلام , والغائه يعني تحرير شهادة هلاكها المؤكد , وهنا تبرز حكمة من رفضوا خوض العملية السلمية مع العسكر و الجنجويد في ظل عدم وجود جيش وطني موحد .

ودون أن تنتبه الحركات تحول سلام جوبا لأداة في يد البرهان يستخدمها لإستدامة انقلابه على ارادة الشعب السوداني , و قتل شبابه و تدمير النسيج الإجتماعي , مما يعني بأن الجميع سيفطن إلى هذه المسألة , فيتحول الاتفاق إلى هدف مشروع يجب معاداته و الوقوف ضده , حتى يفقد البرهان اداة مهمة في مخططه , و بالتالي تفكيك بنية الإنقلاب .

وهذا الأمر سيؤدي لتمزيق وحدة مكونات سلام جوبا من الحركات , مع الانتباه إلى انها فقدت الدعم الدولي و المصداقية من خلال مساندتها لإنقلاب الـ 25 من اكتوبر, وتهديدها المستمر للشعب السوداني بالحرب .

وهنا تبرز الاسئلة الأهم لدى كل اطياف الشعب السوداني , هل نحن ملزمون بإتفاق كان السبب في الانقلاب على الحكومة الانتقالية , و مقتل اكثر من 110 شهيد ؟

هل نحن ملزمون بإتفاق عجز عن ايقاف شلالات الدماء و سقوط مئات الضحايا في دارفور ؟

هل نحن ملزمون بإتفاق يسرق موارد الدولة و يُكرّس لسيطرة العسكر و الجنجويد على السُلطة ؟

هل نحن ملزمون بإتفاق عجز حتى أهله عن تنفيذه ؟

هل نحن ملزمون بالابقاء على الشيء الوحيد الذي يستخدمه الانقلابيين كأداة تُطيل أمد بقائهم و قتلهم و سحلهم لأبنائنا , و انتهاك حرياتنا و تدمير اقتصادنا ؟

أم أن علينا انتزاع الجزرة و قطع اليد التي تحملها ؟

جزرة اتفاق سلام جوبا

الذي لم يجلب السلام.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد