ذكريات أمراض التسعينات

ذكريات أمراض التسعينات
المكان: كوستي
الزمان: 1992-1996م
دعني في هذه المذكرة أسرد وأوثّق لك جانباً من تاريخنا الصحي في حقبة التسعينات، كنا نخرج من مرض وندخل في الآخر، كانت أجسامنا مسرحاً لعشرات الأوبئة التي ما صدّقنا خرجنا منها أحياء، والغريب في الأمر أن العلاج يكاد يكون أسوأ من المرض نفسه.
🔹 اليرقان
أصبتُ أنا وأخي سامي باليرقان، تقريباً في العام 1995م.. العلاج الوحيد أيامها كان الكي بالنار، تم اقتيادنا إلى “بصير”
والبصير هو رجل متعدد المواهب: يجبر الكسور، يطهّر الأطفال، يقطع الريشة، الكي، الفصد، الحجامة، ويعالج (الحمير) في أوقات الفراغ، وأدوات الكي هي مسمار أو مسلّة (ابرة كبيرة تُخَاطُ بِها مراتب القطن)، وكانُون نار، والأعضاء التي يتم كيّها هي منطقة الرسغ، الزراع، أو منتصف الرأس في منطقة الجبهة في حالات الصداع الشديد
سامي أخوي وافق على الكي، مسكين كان ممكُون وعيونه صُفُر زي إشارة المرور، ومن المفترض أن أكون بعده، وأنا أنظر إلى البصير وهو يهبّ الجمر بالهبابة ليُحمي المسمار، وعندمّا إحمرّ من السخانة، أمسكه من طرفه بقطعة قماش وألصقه في يدّ سامي بقوة وسمعت صوت (تششششش) وتصاعدت رائحة الشواء، كان البصير يتعامل مع اليد وكأنه (يرقع لستك عربية) وقبل أن يرفع مسماره أطلقتُ ساقاي للجري ورجعت بيتنا (زول نوم).
🔹 البُرجُم
كان “البرجم” (جدري الماء) منتشراً تلك الأيام ويأتي في شكل أوبئة نتيجة لاختلاط التلاميذ في المدارس يبدأ بحمى عالية، وينتهي بحبوب وبثور مؤلمة تنتشر في كل أنحاء الجسم ولا علاج لها سوى طين البحر، أصبت بالبرجم باكراً، وتم (تلييسي) تلطيخي بالكامل بطين بحر أتى به سيد كارو موية من شاطئ النيل، تحولتُ إلى تمثال من الفخار الطين مشكلته تبدأ عندما يجف مع أي حركة (يقُرصَك قَرصَة) مُؤلِمة أكثر من البُرجُم نفسه.
🔹 أم قَنطُو
أصبتُ بالسعال الديكي ويسمى محلياً بـ (أم قنطو) أو (الكتكوتة) وكان العلاج أيام (لبن الحمير) ومسح الصدر بالمستكة الدافئة وزيت السمسم.. نعم شربت بالطبع لبن حمارة وشكراً على السؤال.
🔹 الحَنْكَلو
من أكثر الأمراض حرجاً اجتاحنا في العام 1993م مرض جلدي اسمه (الحَنْكَلو) يسبب حكة في المناطق الحساسة والإبطين الحكة جميلة في بدايتها وتعطي شعور لذيذ حتى أننا كنا نسميه (حَنْكَلو حكّاً حِلو).. ولكنها مؤلمة عندما تستمر في الحك ولا تستطيع أن تتوقف تلك الأيام كان منظراً طبيعياً أن تجد الناس في الشارع يرفعون أيديهم للأعلى ويحكّون آباطهم، حتى انطلقت مقولة كانت ترند تلك الأيام (الحَنْكَلو كان جاك في الأباط يخليك تأشر للعربات).
🔹 الملاريا
ملاريا التسعينات كانت (أصليّة) لم تكن خفيفة كملاريا هذه الأيام كان مرضاً فظيعاً يجعلك تشمّ رائحة الأكل كرائحة الجيَف، والحمى عالية جداً وتستفرغ مادة غريبة اسمها (المِرْ) العلاج الشعبي كان منقوع أوراق شجرة النيم، والحبوب المتوفرة كان الاسبرين والكافينول والكافلجين للحمى وحبوب (الفانسِدار) للملاريا
كانت حبوب الملاريا مُرة كالحنظل وأفظع من الملاريا نفسها كان الأهل يغلِفُونها بالكسرة حتى نستطيع بلعها وكانت تُسبب حساسية وحكةّ وتنميل في الجلد حتى ظهرت حبوب جميلة مغلفة بمادة حلوة كانت خضراء اللون وتسمى (الحبوب الهندية)، أما الحقن فكانت بمادة الكينين، تُعطى في الإلية وغالباً ما تتحجر وتجعلك تحس وكأنك تجلس على حبات (ليمون) وقد تحتاج إلى عملية جراحية للتخلص من التّحجُّر .
- ذكريات أمراض التسعينات
- البنك المركزي يسمح بتمويل مشاريع إعادة الإعمار وشراء السيارات وقطاع العقارات
![img6838 صحيفة أبعاد برس Abaad press]()
- علي فوكس .. علامة خلدها البذل والعطاء في مجال العمل التطوعي
![6b67a31c399a41acb57b5edb9ff01578 صحيفة أبعاد برس Abaad press]()
- السلطات المصرية توقف سائقًا اعتدى على فتاة سودانية حتى الموت
![img6822 صحيفة أبعاد برس Abaad press]()
- بنك السودان يعلن عن سياساته المالية والنقدية للعام الجديد
![1416d95971ab40f69662cecd8698eb28 صحيفة أبعاد برس Abaad press]()
🔹أبُو عِديلات
أغرب شيء عاد هذه الأيام مرض من حقبة التسعينات كان لنا فيه نصيب اسمه (أبُو عِديلات) أو (البُرُومبُوفَيه)، (البف) اسمه الطبي (النكاف) يسبب التهاب وتورّم في الغدد اللعابية ويورم جانب العنق، كان علاجه أيامها بمسح العُنق بعجِين الكِسرة المُر وبـ (الظّهَرَة) -صبغة الملابس الزرقاء- ومع العنق أحياناً يتم طلي الوجه بالمرة.. كُنا نتحاوم في الشوارع برقاب ووجوه زرقاء وكأننا خرجنا من فيلم أفاتار انتاج التسعينات.
🔹 الروماتيزم
في العام 1992 أُصبت بالروماتزم مما جعلني لا استطيع المشي إلا حبواً أحضروني للطبيب الذي أعطاني بعض الأدوية التي لم تنفع، اقترحتْ جدتي أن نذهب لـ (فكي) ذهبنا وكان التشخيص أنني مصاب بسِحِر سببه أنني (عَفَصْت عمل) في شاطئ النيل بالشوال، العمل ليس مكتوب مخصوصاً لي، كان مصمماً (لتعقيل) شخص آخر وأنا دست عليه بالخطأ بخرني الفكي ببخرات بالقرض
- ذكريات أمراض التسعينات
- البنك المركزي يسمح بتمويل مشاريع إعادة الإعمار وشراء السيارات وقطاع العقارات
- علي فوكس .. علامة خلدها البذل والعطاء في مجال العمل التطوعي
- السلطات المصرية توقف سائقًا اعتدى على فتاة سودانية حتى الموت
- بنك السودان يعلن عن سياساته المالية والنقدية للعام الجديد
وشربت (محاية) وهي عبارة عن حبر مصنوع من (السَّكَنْ) وهو الكربون الملتصق بأسفل صاج العواسة ويخلطونه بالصمغ ويترك ليختمر ثلاثة أيام ثم يكتب به على اللوح آيات قرآنية ويتم غسل الآيات ويُشرب مائها وهذه هي المحاية، كلّ ذلك لم أشفى من الروماتزم بل تسبب لي الفكي بحساسية في الصدر بسبب بخور القرض وبإسهال بسبب المحاية
حبوبتي الحاجة (عائشة جمعة) رحمها الله قالت لي أيامهم في الأربعينات كانوا يعالجون (التعقيل) بالجازولين الأحمر وبالفعل سكبتْ بعض الجاز من لمبتنا (أم ضنب) قبل ظهور الكهرباء، ومسحت به على ركبتي كان الوقت ليلاً نمت ورائحتي تشبه رائحة اللوري ويا للعجب أشرقت شمس صباح اليوم التالي ووجدتُ نفسي وأنا استطيع مد رجلي للنهاية مشيت ولا أصدق مرت (34) سنة على هذه الحادثة وأنا لا أزال مندهشاً حتى الآن.
🔹 الجروح
وبما أن العاقل طبيب نفسه كنا في طفولتنا نعالج أنفسنا من الجروح الصغيرة، نخفيها من أهلنا حتى لا يمنعونا من اللعب خارج البيت، نسكب التراب في الجرح ليتوقف النزيف لكن ابن جيراننا الصغير أعطاني وصفة أخرى وهو أن تبول على الجرح وكانت طريقة فعّالة
أما الضمادات والشاش فكنا نستعين بالأقمشة المرمية على الكوشة تجد قميص كاروهات قديم نصفه مدفون الأرض تُثبت طرفه برجلك ثم تجرّه بقوة تسمع صوت “شيييييط” فينشرط في شكل شريط طويل يتطاير منه التراب الملتصق وتربط به الجرح الممتلئ بالتراب والبول وبالله التوفيق.
مذكرات زول ساي
أسامة جاب الدين / بصير سابق





