زُمرَة الهَياثِم !!

0
مذكرات زول ساي
تفتيش طابور المدرسة

مفهوم الرجولة عندنا في المدرسة في بداية التسعينات كان ينحصر في عاملين (الشناة) و(الغَبَشة)، كلما كان الولد (شين وأغبش) فهذا يعتبر (راجل)، وكُلما كان وجيهاً وسيماً ونظيفاً فهذا نعتبرهُ خرجَ من مفهُوم (الرجالة) والخُشونة وصار أقرب للبنات، ونُسمِيه (هيثم) أو (المُمَسّح) أو (الحَسّاس)

اسم هيثم أيامها كان محجُوزاً فقط لأولاد الراحات وإذا صادف طفلٌ أغبشٌ اسمهُ “هيثم”- وهذا وارد ولكنّهُ نادراً- فهذا مُباشرةً نُسمِيه (هَيثَم الخلا) وهو لقب تصحيحي يَرفعُ اللّبس حِفَاظاً على التوازُن البيئي في المدرسة.

المشكلة كانت تكُمن في الأولاد الذين يقعُون في منطقة الوسط الذين ليسوا شينِين وغُبُش كفاية لينالوا الاحترام الكافي للشلة وليسُوا وجِيهِين ومُمسحِين لِيتِمُ إلحاقهم بزُمرَة (الهَياثِم) .. كانوا يعيشُون صِراع هوية.

كنتُ أنا مِن هذهِ الفئة أيامها أسعى لأكُون أغبشاً بأي طريقة لذلك كان المُعلمين والمُعلمات يتعبُون مَعنا كثيراً في مفهُوم النظافة الشخصية بِلا فائدة لأن القضية لم تكن أوساخاً بل موقف سياسي ضِد النِعُومة.

في طابور الصباح كانت هُنالك (فقرة تفتيش النظافة) وهي فقرة أسبوعية تقع يوم السبت غالباً وتبدأ بالأظافر نمدّ أيادينا ومن كانت أظافره طويلة يضرب عليها بالمسطرة وأحياناً تحضر المعلمة معها (ضفّارة) وتباشر بتقليم أظافرك مباشرة.

ثم تفتيش الاستحمام تِستَخدم المُعلمة قِطعة قُطن مُبللة بالماء وتمسحُ بِها على رَقبة التلميذ إذا اتَسخت فهذا معناهُ أن لم يستَحِم مُنذُ زَمنِ التُركية السابقة غالباً ما ترجع القطن رمادية أو سوداء وكمزيدٍ من التشهير تَرفعُ المعلمة القُطنة المُتسِخَة وتُرِيها لجميع الفصول في الطابور وإحدى المعلمات تحمست أكثر من اللازم وأحضرت (طشت) ملئ بالماء في الطابور لتهديدنا بالاستحمام القسري أمام الملأ ولكن الحمد لله لم يحدث كان سيحدث صدمة لأننا كنا نعتقد أن الماء مخصص للشرب فقط.

عدد من المدارس كانوا متشددين في موضوع النظافة كانوا يحضرون طشت وبرميل موية وصابون ويخصصون فصل كحمام مؤقت وكل من تم تصنيفه بأنه (ما مستحمي) يدخل الفصل يستحم ويخرج يقطر من الماء.

تفتيش الملابس كان فقرة أساسية كانت الأقمصة تفقد بعض الأزرار ونعمل على تعويضها بشوكة شجرة الهجليج لتثبيت عروة القميص أو أحياناً تتسع الفتحة على الزرارة فندعمها بقطعة ورقة من الكراس يتم تفتيش الياقات وأحياناً يتم إلقاء نظرة خاطفة على الملابس الداخلية برفع طرف الرداء (بنطلون قصير).

تفتيش الاسنان أسناننا كانت ملونة بالاسود والأزرق لأننا كنا نستخدمها كـ برّاية لأقلام الرصاص و(نَمُص) قلم حبر ماركة السهم إذا انخفض مستوى حبره.

تفتيش الرأس القمل طبعاً كان شيء طبيعي إذ لا يخلو شعر أحدنا من (قملات) يسرحن هنا وهناك كان المدير يحضر مقص وكل من لديه (تِفة) أوشعر طويل يقصه ويبدأ له حلاقة عشوائية يضطر الطالب لتعديلها عند الحلاق لإصلاح ما أفسده المدير

كان بعض التلاميذ مُصابين بمرض (القُوب) الذي يتسبب في دائرة صلعاء في الرأس كان يتم مسحها بالقطران (القُوبة) كانت وصمة ونبتعد من المصاب الذي كان يربي شعره ليغطيها أو يلبس طاقية.

اغرب تفتيش كان (التفتيش بالشم) المُشكلة بدأت من الفصل، عدد التلاميذ أكثر من 100، تكاد المعلمة أن يغمى عليها من رائحة العرق المتخمر وكثيراً ما نسمع عبارات مثل (ريحتكم زي الطير) (ريحتكم تجيب الصقر) بما أن العطور كانت ترفاً لا نملكه تلك الايام كان عطرنا المفضل هو (الفِكْس) وأن نعرك أيادينا بورق نبات الريحان فتصبح رائحتنا خليطاً غريباً أشبه برائحة (الباربار) أو (البف باف) الطارد للحشرات.

▪️ أسامة جاب الدين/ هيثم خلا سابق

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.