الفراق القسري .. هل سنعود لمنازلنا ؟!

95

ذكري محي الدين

وقفت (السيارة) اللحظة التي ستفرق بيني واخوتي الاندماج مع تبديل الملابس والتفكير في حجز مقعد مميز في الحافلة انساهم حقيقة انهم سيغادرون منزل ابي مجبرين بعد أن ضاقت بهم السبل تحت رحمة البنادق والدانات التي فتقت اذنينا وجعلتننا نركض لنختبي بين الحين والآخر ونتخير نوع الاختباء حسب قوة الصوت ونوع السلاح المستخدم ضقنا ذرعا من انقطاع الكهرباء وضغط اللوبي المكون من الحر والرطوبة وهذا العرق الذي تصبب منا لو روى الصحراء لأنبت زرعا. !!

شلل في الحواس انتابنا في ظل هذا الوضع المميت تركيز اخوا تي في السفر انساهم انهم سيصبحون مع بدء هذه الرحلة نازحين في ربوع الوطن الذي انتهكت حرمته ودنست أراضيه قوات الدعم (الصريع) ومع اقتراب انطلاق الحافلة أدركوا انه الفراق القسري انهمرت الدموع مرسلة سيل من الأسئلة ماهو مصيرنا هل سنلتقي ثانية هل سنعود لمنازلنا هل ستعود الخرطوم حضن دافئ يلمنا هل ستقرع أجراس المدارس ثانية ؟؟ً بتلك المدينة التي سلبوها ثوبها هؤلاء العراة من الضمائر

قبل السفر الضجيج ملا كل البيوت توتر تام صدى المناقشات يتردد في الغرف كيف نتخلى عن دارنا كيف لنا أن نفارق ذكريات رسمتها الايام في جدرانه عم (ع) استاذي وجاري يفضل أن يموت ويدفن في باحة المنزل من أن يغادر دار عمرها بعناء وبشق الأنفس خطوط الهاتف تئن من قلق أولاده (ابوي امرق الوضع مامستقر) زوجته (ف) ترتعش لفكرة البقاء في ظل هذه الأجواء لكنها لن تترك خلفها رفيق دربها دفعها التوتر لربط رأسها بقوة بقطعة قماش لتخفف الصداع الذي ألم بها، قصدت منزلنا لتجد بعض راحة فتصدم ثانية بنفس النقاش

في مكان آخر(ن) اخي يستشيط غضبا؛ اقسم بالله لن اترك بيتي للكدايس كما تمنى هؤلاء سأبقى فالموت أهون لي من الهرب وفي ركن قصي تدخل ابنته (ب) في نوبة بكاء لا تريد هي الموت لابوها وهو يرد بحسم سترافقي عماتك وللعمات أيضا موجة صراخ ونقطة خلاف بعضهن يرى العيش في ظل هذه الظروف مستحيل والآخر يرى أن الموت قادم أن كان في مدني أو عطبرة وصوت اختي الصغيرة التي تخاف على ابنتها حديثة الولادة من سخونة الجو تجري محادثة بالهاتف تجوب البيت لتتدارك الصوت المتقطع بشبكة قوية تبحث عن بيت إيجار في أي مدينة أخرى يأوي صغيرتها واختي التي لاتستطيع أن تسحب أموالها من البنك


بفعل الحرب تعيش حالة قلق وحدها وتسأل عن مصيرها وبناتها خالتي (ف) تنسحب من بيتنا وهي في حالة ذهول وتجرجر أقدامها بآخر حيل وتضع ثوبها تحت رأسها لتغض في نوم عميق تصحى بعده على صوت (ش) جارتها وهي تطرق الباب وهي تفكر معها بصوت عال كيف لها أن تغادر وهن أسرة مكونه من ثلاث موظفين لم يصرفوا مرتب منذ أن انطلق بوق الحرب انتهى سيل المناكفات بتلك البيوت واسدل الستار وعادة مايسدل في النهايات ولكن في هذة المسرحية بالذات لا ندرِي ماذا يخبي خلفه؟! والستار هنا اخذ القرار والركون للرحيل وقفت الحافلة في منتصف الحي، أغلقت جميع أبواب المنازل توجهوا صوب الحافلة يجرون ما تيسر من أشياء وقلبهم معلق بما تبقى من مقتنيات وعلى الافراد الذين آثروا البقاء.

غادرت الحافلة وجميع من نحب بداخلها الجميع يبكي بصمت واحسبه صمت ممتد، من غادر مقهور ومن بقى مهموم ولن نقول من أين أتى هؤلاء حتى لايستمر السؤال 30 عام !!

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد