الذكاء الاصطناعي وزرقاء اليمامة

0

خارج الصندوق

بقلم: فيصل الزبير

الذكاء الاصطناعي وزرقاء اليمامة


قبل أن تنتهي دهشة العالم من التقدم العلمي والرقمي وانسياب المعلومات في الفضاء الطلق عبر ثورة المعلوماتية خلال العقدين الماضيين، طرق الذكاء الاصطناعي أبوابنا بلا مقدمات وبلا استئذان، وبدأ يسيطر على كل شيء، وظل يمثل عنصراً من عناصر الحضارة الحديثة إقليمياً وعالمياً، وبدأ يفرض وجوده بقوة لمقدرته على القيام بأدوار متعددة.

فعبر الذكاء الاصطناعي تستطيع بكبسة زر الحصول على كم هائل ومدهش من المعلومات في كل التخصصات والمجالات في رمشة عين.


فنحن في السودان لا بد لنا من مواكبة هذه الثورة المعلوماتية بخطى حثيثة وسريعة حتى لا نعيش في العصر الحجري، وعلينا أن لا تشغلنا الحرب الدائرة عن اللحاق بركب الأمم التي سبقتنا بسنوات ضوئية.

يجب أن نتسلح بالعزيمة والإرادة اللازمتين وننتفض من تحت الرماد، كما فعلت اليابان وألمانيا بعد أن تحطمت بنياتهما التحتية في الحرب العالمية الثانية، فانتفضتا من تحت الركام بكل قوة وعزيمة وإرادة لا تلين، فأصبحتا مضرباً للمثل ونموذجاً يحتذى به في التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي.


فالقرن السابق -أي القرن العشرين- سيصير عصراً حجرياً، وستصير حضارته من الحضارات التي سادت إلى حين فصار عصراً شبه حجري مقارنة بالنقلات النوعية التي سينتقل إليها العالم خلال القرن الواحد والعشرين ونحن لا نزل في بدايته، وذلك عبر استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة.

نحن الآن لدينا وزارة اتحادية تسمى “وزارة الاتصالات والتحول الرقمي”، أي أننا نسير في الطريق الصحيح، ونحتاج لمزيد من الانفتاح والتجويد، واعتماد مفهوم الحكومة الإلكترونية في كل معاملاتها في الخدمة المدنية بين الوزارات المختلفة، وكذلك تقديم الخدمات للجمهور وتسهيل عمل الاستثمار وحماية المستثمرين بتقليل الظل الإداري، وكبح جماح الفساد الإداري والمالي من غسيل الأموال والمعاملات الربوية ومحاربة المحسوبية، والحفاظ على عجلة دوران الاقتصاد والأموال التي تدور بالأسواق عبر المصارف الرقمية، واعتماد مفهوم التجارة الإلكترونية تماشياً مع ما يجري من حولنا عبر المنظمات الإقليمية مثل “الكوميسا” وغيرها، للدخول والاندماج في منظومة التجارة العالمية وصناديق التمويل العربية والعالمية وعلى رأسها البنك الدولي.


لا بد لنا في السودان أن نتبنى هذه المفاهيم، وعلى رأسها تطبيقات الذكاء الاصطناعي كما أسلفت، اختصاراً للزمن وتقليلاً للمجهودات، والوصول للهدف بأقصر الطرق وتحقيق المقاصد المطلوبة بشكل سهل ومبسط. ولكي نواكب هذه الطفرة لا بد من تجهيز البنيات التحتية التي تساعد في انتشار وتسهيل استخدامات الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر تجهيز البنيات التحتية لاستيعاب التحول الرقمي، وعبر تبني الدولة لهذه المفاهيم من قمة الهرم.

فالأمر يتطلب دخول الجهات ذات الاختصاص من وزارة الاتصالات والتحول الرقمي لتحسين شبكات الاتصالات والشبكات العنكبوتية، وتقديم أفضل الخدمات عبر الأجيال الحديثة لتلك الخدمات.

وأيضاً على وزارتي التعليم العام، والتعليم العالي والبحث العلمي، الدخول على الخط بعمل ثورة في المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية في التعليم العام والتعليم العالي.


وأقصد بذلك إدخال مقررات توضح مفهوم الذكاء الاصطناعي وأهميته وتطبيقاته المختلفة من أجل رفاهية الإنسان منذ المرحلة الابتدائية، أي من بداية السلم التعليمي.

أي لا نكتفي بمقررات تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الاتصال فقط، بل إدخال جرعات بالتدرج عن الذكاء الاصطناعي كعملاق قادم سوف يسيطر على جميع مناحي الحياة ومناشطها. وكذلك الحال على الجامعات إحداث ثورة في برامجها ومناهجها بإدخال مقررات متقدمة للتعريف بمفهوم الذكاء الاصطناعي وأهميته في جميع الكليات التطبيقية والنظرية.

وأذهب أبعد من ذلك؛ أتمنى أن يتم اعتماد أقسام داخل الكليات تكون متخصصة في علوم الذكاء الاصطناعي، ويا ليت أن تكون هنالك كليات كاملة لتدريس الذكاء الاصطناعي كتخصص مرغوب عالمياً ولا غنى عنه.

ولا أستغرب إن رأيت القطاع الخاص يدخل في هذا المجال بإنشاء كليات لتدريس الذكاء الاصطناعي كتخصص فريد وجديد في سوق العمل العالمي، لتخريج أكبر عدد من الكوادر في هذا المجال الذي سيكون نصف الحاضر وكل المستقبل.

لا بد من تغيير مفاهيمنا في الدراسة الجامعية والاتجاه بقوة نحو هذا التخصص.


وسبق أن كتبت مقالاً عن “طب المستقبل”، أي مستقبل الطب بعد قرن من الزمان، وسيكون مختلفاً تماماً عما يجري اليوم باستخدام العلاج الجيني للأمراض المزمنة والوراثية. والخطوة التي تلي ذلك في طب المستقبل أنه سيعتمد علي الذكاء الاصطناعي في إدارة المستشفيات، وإجراء العمليات الجراحية المعقدة، وإدارة كثير من شؤون الحياة في العالم المتحضر بشكل دقيق، وبالتالي الحصول على نتائج مرضية بعيداً عن أخطاء البشر.

وسيدخل الذكاء الاصطناعي حتى في إدارة مدن الإنتاج الحيواني بصورة علنية وممنهجة ودقيقة، وذلك في الشركات العالمية الكبرى لتحسين مستوى الإدارة وتحسين الإنتاج كماً ونوعاً، وبالتالي المشاركة في الأمن الغذائي العالمي بقوة في عالم يتنامى ويزداد عدد سكانه بمتوالية هندسية، بينما إنتاج الغذاء يتوالى بمعادلة عددية.
وأنا أذهب أبعد من ذلك؛ أن تكون لدينا وزارة للذكاء الاصطناعي ترعى برامجه وتنزلها على الخدمة المدنية بمفهومها العريض، لأن هذه التقنية أصبحت واقعاً معاشاً، وحتى نواكب ما يدور من حولنا لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة.

ودونكم ما أنجزه ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان عبر زيارته الشهيرة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث وقع عقود شراكات ذكية مع شركات أمريكية عملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي للاستثمار في المملكة العربية السعودية، والتي تمثل سوقاً عالمياً ممتازاً في الشرق الأوسط، وتحتاج لبنيات تحتية لاعتماد الذكاء الاصطناعي في جميع مناحي الحياة هناك، وبالتالي تكون قد سبقت جميع دول مجلس التعاون الخليجي في هذا المضمار.


ومن المعلوم أن كل ما هو مبتكر وجديد يجد المناهضة والمقاومة والرفض من أصحاب النظرات التقليدية والذين يقفون ضد الحداثة؛ ودونكم تجربة الاستنساخ في منتصف تسعينيات القرن السابق حيث وجدت معارضة من رجال الدين الإسلامي والمسيحي والكثير من حكومات الدول والبرلمانات، ولكن بعد أن هدأت العاصفة وتم شرح إيجابيات الاستنساخ ومحاسن تطبيقاته على البشرية هدأت النفوس وتم وضع ضوابط أخلاقية للاستنساخ منعاً للتلاعب بالبشر.

وكذلك الحال مع تطبيق الذكاء الاصطناعي، لاحقاً سينبري كثير من المناهضين والمعارضين له وهو خوف غير مبرر، ولكن بعدما يعلمون محاسنه فيمكن أن يقتنعوا، بشرط وضع ضوابط وتشريعات تشمل أخلاقيات الاستخدام لمصلحة البشرية وخيرها ونمائها، بدلاً عن الاستخدامات السالبة للذكاء الاصطناعي في الحياة، أي لا يكون استخدامه بشكل مطلق.
والله ولي التوفيق.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد