عدالة على حافة الانتظار : قضية الدكتور عامر حسن وصرخة أسرة تبحث عن قبر أو مصير مجهول أو ماتفترضه ظروف وملابسات الاختفاء

0

عدالة على حافة الانتظار : قضية الدكتور عامر حسن وصرخة أسرة تبحث عن قبر أو مصير مجهول أو ماتفترضه ظروف وملابسات الاختفاء

في وطنٍ أثقلته الجراح، لا شيء أقسى على قلب أمٍّ من انتظار ابنٍ لا يعود، ولا شيء أشد إيلاماً من أسرةٍ تبحث منذ سنوات عن أثرٍ لحبيبٍ غاب، فلا تجد سوى الأسئلة والدموع.

هكذا بدأت مأساة الطبيب السوداني المغترب الدكتور عامر حسن محمد أحمد، الذي خرج ذات يوم من منزله بالخرطوم في يناير 2023، ولم يعد. اختفى الإنسان، وغاب الطبيب الذي أفنى سنوات عمره في مداواة الناس، لكن وجع غيابه ظل ينزف في قلوب أهله يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام.

لم تكن الأسرة تبحث عن ثروةٍ مفقودة أو ممتلكاتٍ منهوبة، بل كانت تبحث عن ابنها… عن صوته، عن أثره، عن إجابةٍ واحدة تنهي عذاب الانتظار. وبينما كانت الحرب تبتلع المدن والأخبار، ظن الجناة أن جريمتهم قد دُفنت إلى الأبد تحت ركام الفوضى، وأن دم الدكتور عامر قد ضاع في زحام المآسي.

لكن الحقيقة تملك قدرة عجيبة على مقاومة الموت.

فبإصرارٍ نادر، وبقلبٍ لم يعرف اليأس، استطاع شقيق الفقيد أن يلتقط خيطاً بالغ الدقة من بين آلاف الخيوط المتشابكة. قطعة غيار صغيرة معروضة على وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى مفتاح كشف واحدة من أبشع الجرائم.

ومن هناك بدأت رحلة فك الألغاز، حتى انكشفت السيارة المنهوبة، وتكشفت معها أسرار الجريمة التي ظن مرتكبوها أنها ستظل خافية إلى الأبد.

وفي هذا المسار برز الدور المهني والاستثنائي لمولانا محمد فريد، رئيس النيابة العامة بالولاية الشمالية، الذي أعاد الحياة إلى ملف كاد أن تبتلعه ظروف الحرب. بخبرته وجهده ومتابعته الدقيقة، استطاع ربط الخيوط داخل السودان وخارجه، حتى تم القبض على أربعة متهمين، وظهرت اعترافات ومعلومات خطيرة أعادت الأمل إلى الأسرة بأن العدالة أصبحت أقرب من أي وقت مضى.

لقد اقتربت الحقيقة من الظهور.

اقتربت الأسرة من معرفة مصير ابنها.

اقتربت أمٌّ مفجوعة من أن تعرف أين يرقد فلذة كبدها

او مصيره المجهول .

لكن، وفي اللحظة التي بدا فيها أن العدالة تقترب من نهايتها الطبيعية، جاء القرار المفاجئ بإنهاء تكليف مولانا محمد فريد وتسليم الملف لجهة أخرى.

هنا عاد الخوف من جديد. خوف الأسرة التي انتظرت سنوات. وخوف كل من تابع القضية.

وخوف كل مواطن يؤمن بأن العدالة يجب أن تسير حتى نهايتها دون أن تعترضها المفاجآت الإدارية في أكثر مراحلها حساسية.

إن السؤال الذي يتردد اليوم في قلوب الناس قبل ألسنتهم هو: لماذا الآن؟

لماذا في اللحظة التي أوشكت فيها الحقيقة أن تخرج كاملة إلى النور؟

ولماذا بينما لا تزال الأسرة تنتظر معرفة مكان الرفات او معرفة مصيره الذي يمكن أن يخفف بعضاً من آلامها المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام؟

إن قضية الدكتور عامر حسن لم تعد قضية أسرة وحدها، بل أصبحت قضية ضمير عام.

إنها امتحان حقيقي لقدرة الدولة على حماية الحق، وانتصار القانون على النفوذ، وانتصار العدالة على النسيان.

ومن هنا نتوجه بنداء صادق إلى السيد النائب العام المكلف وإلى كل القيادات العدلية في البلاد:

لا تجعلوا أسرة الدكتور عامر تبدأ رحلة الألم من جديد.

لا تسمحوا بأن تضيع سنوات التحري والجهد في متاهات الإجراءات.

لا تتركوا أمّاً تنتظر خبراً عن ابنها المفقود بينما الحقيقة على بُعد خطوات من الاكتمال.

عجلوا بإكمال التحقيقات، وكشف مكان الرفات، وتقديم جميع المتورطين إلى محاكمة عادلة وعلنية، حتى يطمئن الناس إلى أن العدالة ما زالت قادرة على حماية الأبرياء وإنصاف الضحايا.

فإن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس وقوع الجريمة، بل شعور الناس بأن الجريمة يمكن أن تمر بلا حساب.

أما نحن، فسنظل نؤمن أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا يجب أن تتعطل.

وسنظل نردد باسم كل أم مكلومة، وكل أب مفجوع، وكل أسرة تنتظر الحقيقة: أعيدوا للدكتور عامر حقه… وأعيدوا لأسرته حقها في معرفة أين يرقد ابنها… فليس أقسى من فقد الأحبة، إلا أن يظل مصيرهم مجهولاً.

هذه النسخة تعتمد على مخاطبة المشاعر الإنسانية مباشرة، وتُبرز معاناة الأسرة بصورة أعمق، مع الحفاظ على الاحترام القانوني وعدم توجيه اتهامات غير مثبتة.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد