الجميل الفاضل يكتب: الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو !!

0
الجميل الفاضل

الجميل الفاضل يكتب: الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو؟!

لا تُقاس حركة التاريخ بحدود الخرائط ولا بأزيز الطائرات، لكنها تُقاس بأنفاس الوعي المتصاعدة، وبارتعاشات الهوية الكامنة في عمق سحيق.


إن تلك الغارات الجوية التي شنها الطيران المصري على عمال مناجم عُزّل يبتغون الرزق في أحشاء الأرض السودانية، لم تكن مجرد خرقٍ عسكري عابر أو جرحٍ في خاصرة السيادة؛ بل كانت «نقرة القدر الأولى» على أول أحجار الدومينو، إيذانًا برفع الغطاء بالكامل عن جمرٍ ظنَّ المستبدون أنه بات رمادًا تذروه الرياح.


إذ حين تلجأ مراكز القوة القديمة إلى استخدام أدوات الفناء الخشنة ضد جيرانها في لحظات ضعفهم، فإنها لا تعلن قوتها، بل تعلن عن «ذعرها الوجودي».
لقد عاشت مصر لقرون على سردية «المركزية الفرعونية القابضة»، مستأثرة بالنهر والثقافة والقرار، ناظرة إلى السودان كمدى حيوي ومخزن للثروات وكحديقة خلفية، تُهندس هي لوحدها مصائرها خلف الكواليس.


لكن عندما يبدأ مارد هذا الجنوب في الاستيقاظ، مستلهمًا وعيه القديم من بطون الأرض، ومدركًا أنه «مهد الحضارة الأصيل، والمتبوع لا التابع»، كما شهد بذلك العالم السويسري شارل بونيه، تتزلزل العقيدة الأمنية لمصر.
فالنار التي أُلقيت من السماء مؤخرًا هي تعبير مادي عن «فقدان أعصاب استراتيجي».
هي محاولة يائسة لإعادة «المارد السوداني» إلى قمقمه، وتثبيت طوق الوصاية الذي بدأ يتآكل تحت وطأة التحولات الجيوسياسية والمائية بين دول الحوض.
فكل ضربة كهذه تولد قوة دفع مساوية لها في المقدار ومضادة لها في الاتجاه.
هذه الغارات صدمت الوجدان السوداني، وحولته من حالة التشرذم والتشظي الداخلي إلى ما يشبه بداية تشكل «عقيدة وطنية موحدة».
إن دماء أولئك المعدنين العُزّل في عمق التراب الوطني لن تذهب سدى؛ بل قد تتحول إلى «مادة كيميائية» من شأنها أن تصهر الفروق السياسية والمناطقية، لتصنع جيلاً جديدًا لم يعد يرى في مصر «الشقيق الأكبر»، ان لم يكن قد بات يرى فيها «المتغطرس الأناني» الذي يجب الانعتاق من قبضة وصايته إلى الأبد. هنا يتجلى شيء من السيرة الكوشية الأولى؛ فعندما يتجرأ الجار على الحرمات، ربما يستيقظ «ترهاقا» الكامن في الوجدان ليعيد رسم حدود الكبرياء.


وإذا أمددنا البصر على استقامته لاستشراف أفق المستقبل عبر الدورات الحضارية والنبؤات القديمة، بل ربما نرى ملامح «أسرة كوشية حديثة» تنبثق من جذر الأسرة الـ25، تتشكل في الأفق عبر مسارات حتمية تؤدي إلى أفول الهيمنة المصرية.
إن ذلك النموذج الاستبدادي القائم على إخضاع الجنوب سينهار من داخله.
من واقع الأزمات الهيكلية والاقتصادية الخانقة في مصر الراهنة، مدفوعة بـ«الرهاب المائي» وفقدان السيطرة على منابع النيل، كل ذلك سيجعل قواها تتراجع تدريجيًا.
ويقودها من ثَّم للانشغال بنفسها وبأزماتها الوجودية، لينحسر نفوذها الإقليمي علي المنطقة.
فيما سيتجه السودان الجديد، بمجرد استعادة عافيته وتجاوز مخاض الحرب الحالية، إلى تفعيل استراتيجية «عبد الله خليل» القديمة، ولكن بأدوات تناسب القرن الحادي والعشرين.
أتصور أن السودان سيبني حلفًا جيوسياسيًا وهيدروليكيًا صلبًا مع قوى أفريقية ناهضة أخرى.
وأن هذا الحلف سوف يقلب بالتالي موازين القوى المائية والسياسية، ويجعل مفاتيح شريان الحياة معلقة بإرادة جنوبية خالصة، مما سيجبر القاهرة على الانصياع لشروط الندية الكاملة.


وحينها لن يبقى ملف «مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد» رهين الاحتجاجات الدبلوماسية الباردة.
إذ إن الوعي المتنامي والغبن المتراكم سيجعلان من استرداد السيادة على كل شبر من التراب السوداني عقيدة عسكرية وأخلاقية أولى للسودان القادم، مدعومة بقوة مادية واقتصادية تفرضها ثروات البلاد البديلة.
وحينها سيحمل النهر الذي يتدفق من الجنوب إلى الشمال رسالة قدرية واضحة تقول: إن مادة الحياة تنبع من الرحم الأفريقي، وأن من يملك المنبع سيحدد مصير المصب في نهاية الزمان.
وبالتالي فإن هذه الغارات الأخيرة لن تكون نهاية القصة، بل ستكون شرارة البدء في «دورة حضارية جديدة».
لتنحسر حقبة الوصاية المصرية، ويتفكك نموذج الهيمنة الأمنية الفجة، بل لتشرق من بين ركام الحروب الحالية قيادة روحية وسياسية ومائية سودانية مستقلة. سيعود السودان مركزًا للثقل، نقيًا، شامخًا، ونديًا.. تمامًا كما أراد له الرسل والأنبياء في الكتب القديمة، وكما خطته تماثيل كرمة الصامدة بلغتها المروية الغامضة.


حينها فقط، ستعرف مصر أن النار التي أشعلتها فوق الجبال والمناجم لم تكن إلا النور الذي سيعلن فجر انعتاق المارد الكوشي الكبير.
ليست الحوادث الكبرى في حياة الأمم مجرد وقائع عابرة تُسجلها دفاتر الأخبار ثم تمضي، بل هي في جوهرها العميق، رسائل غامضة يبعث بها التاريخ إلى أبنائه، ليخبرهم أن زمنًا قد انقضى، وأن زمنًا آخر بدأ يتشكل في رحم الغيب.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد