قرار الجيش السوداني ، إخضاع ام استيعاب داخل القوات المسلحة ؟
أحمد بن عمر
الإخضاع في تنفيذ الأوامر خلال الحرب للقوات المساندة للجيش السوداني يختلف جوهريًا عن الترتيبات الأمنية الخاصة بالدمج الدائم داخل القوات المسلحة.
ففي ظرف الحرب يكون الإخضاع وظيفيًا ومؤقتًا، أي أن القوات المساندة تظل محتفظة بهياكلها وولاءاتها الخاصة، لكنها تعمل تحت إمرة الجيش وفق ترتيبات عملياتية تضمن وحدة القرار العسكري في الميدان.
هذا ما أكدته القيادة العامة بقرارها في 16 أغسطس 2025، حيث نصّ التعميم الصحفي على إخضاع جميع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة لسنة 2007 وتعديلاته، واعتبارها تحت إمرة قادة المناطق العسكرية المختلفة.
ويأتي هذا متسقًا مع ما شدد عليه الفريق شمس الدين كباشي في خطابه في مارس 2024، عندما طالب بجمع أي سلاح خارج إمرة القوات المسلحة ومنع تسليح المدنيين خارج المعسكرات
مؤكدًا أن المقاومة الشعبية “تحتاج إلى ضبط” وأن السلاح يجب أن يخضع بالكامل لأوامر الجيش.
بذلك يتضح أن الغرض من هذه القرارات والخطابات ليس الدمج المؤسسي الدائم(من ناحية فنية بحته)، وإنما فرض سيطرة مركزية مؤقتة على كل السلاح والقوات في ساحة الحرب، كأداة تكتيكية لحماية وحدة القيادة العسكرية.
-الإخضاع في تنفيذ الأوامر خلال الحرب للقوات المساندة للجيش السوداني
القوات المساندة (مثل الحركات الموقعة على اتفاقات سلام أو قوات قبلية أو شبه نظامية) غالبًا تُستوعب بشكل مؤقت، وتكون تبعيتها للجيش محصورة في ظرف الحرب أو العمليات العسكرية الجارية.
هذا الإخضاع لا يعني اندماجًا مؤسسياً كاملاً، وإنما هو ترتيب عملياتي (Operational Arrangement) يُمكّن القيادة العامة من التحكم في مجريات الحرب عبر وحدة القرار العسكري.
عمليًا: يظل لهذه القوات هيكلها المستقل، وولاءاتها، و قادة متحركاتها و تنسيقها مع الميدان، لكنها تعمل تحت إمرة الجيش بشكل وقتي.
الفرق عن الترتيبات الأمنية والاستيعاب الدائم داخل القوات المسلحة
الترتيبات الأمنية عادة تأتي كجزء من اتفاقيات السلام (زي اتفاق جوبا 2020 مثلًا)، وتركز على إعادة هيكلة المشهد العسكري عبر خطوات مثل: الدمج، التسريح وإعادة التأهيل (DDR).
الدمج الدائم داخل القوات المسلحة يعني أن هذه القوات تفقد شخصيتها المستقلة وتتحول إلى جزء أصيل من المؤسسة العسكرية القومية، تخضع للوائح الجيش وقوانينه، وتلتزم بعقيدة عسكرية موحدة.
- العدالة المؤجلة في قضية الطبيب عامر حسن يعقوب
- خارج الصندوق: واقع ثروتنا الحيوانية اليوم
- الجميل الفاضل يكتب: الطيران المصري يحرك أحجار الدومينو !!
- انطلاق امتحانات الشهادة السودانية التعويضية بدولة الإمارات وسط مشاعر الفرح والتكاتُف
- الإعلام السوداني بين نقل الخبر وصناعة الأثر
الفرق الجوهري أن الإخضاع في ظرف الحرب وظيفي ومؤقت، بينما الترتيبات الأمنية تهدف إلى تحويل الولاءات من ميليشيا/حركة إلى الدولة وبناء جيش وطني موحد.
النقطة المشتركة: من وجهة نظري ، لا يمكن إخضاع حركات اتفاق جوبا لدمج كامل داخل القوات المسلحة دون ترتيبات أمنية جديدة، إذ أن هذه القوات تحتاج إلى حصر ميداني دقيق، وتحتاج أيضًا إلى ميزانية أكبر نظرًا لأن أعدادها تضاعفت إلى أكثر من ثلثي الضعف مقارنة بالتقديرات السابقة كانت كلفت تنفيذ الدمج والتسريح ضمن اتفاق جوبا 1.3 مليار دولار سنوياً
بالتالي لا يمكن إجرائيًا التعامل مع الترتيبات الأمنية القديمة دون تعديلها، كما أن التوقيت الحالي لا يسمح باستيعاب فني كامل داخل القوات المسلحة.
ولكن لماذا الإخضاع تحت سلطة الجيش مهم ؟
بالتأكيد واجه الجيش مشاكل كبيرة في إدخال السلاح للمقاومة الشعبية والمليشيات الداعمة له ومليشيات الحركات المسلحة، وهو ما خلق حاجة ملحة لآلية رقابة مركزية تضمن أن كل قطعة سلاح تمر عبر قيادة الجيش.
كان من الضروري أيضًا توحيد جهود العمل الميداني وضمان مستوى عالٍ من التنسيق بين هذه القوات، حتى لا تتحول إلى عبء أو مصدر فوضى في ساحة المعركة.
هناك أيضًا جانب مالي مهم: وزارة الدفاع هي التي تتحمل تكاليف ونثريات القوات المشاركة في الحرب، وبالتالي لا يمكن ضبط الإنفاق ولا تبرير الصرف إلا إذا خضعت هذه القوات شكليًا وإجرائيًا للجيش، بحيث تتم محاسبتها وفق اللوائح والنظم العسكرية الرسمية.
البعد السياسي حاضر بقوة: إخضاع هذه القوات يضمن أن أي خطوة سياسية مستقبلية سواء تفاوض أو تسوية أو حتى إدارة انتقالية تظل مرجعيتها النهائية بيد القوات المسلحة والبرهان شخصيًا، مما يحافظ على مركزية القرار السياسي والعسكري بيد القيادة العامة.