مشروع الجزيرة .. بين الاستعمار وأبناء الوطن

مشروع الجزيرة.. بين الاستعمار وأبناء الوطن

بقلم: على أحمد علي ابوسالمة

عندما خطط المستعمر مشروع الجزيرة، أنفق أموالاً طائلة، ليس حباً في السودان ولا رحمة بأهله، بل طمعاً في استغلال موارده لإنعاش سوقه من القطن.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنه أثناء حكمه عمل على تأسيس دولة مكتملة الأركان: خدمة مدنية قوية، سكة حديد تربط الأطراف، جامعة كتشنر بالخرطوم، مؤسسة النقل الميكانيكي، مشاريع كبرى مثل السدود والموانئ والمصانع، بل وحتى مصنع كوستي لتعليب اللحوم.

وكان مشروع الجزيرة وقتها بحق “مشروع القرن الإفريقي” والذي ظل حلم ينبض بحياة السودانيين يعمل على توفير الأمن الغذائي للبلاد ويساهم في سد الفجوة الغذائية للقارة الإفريقية.


ولكن هنالك عدة اسباب أدت إلى تراجع هذا الحلم ليتحول من حلم الي يقظة بواقع مؤلم تشوبه الكثير من التحديات والنكبات ولعل من أبرز المعوقات التي واجهت المشروع

أولا: المشكلات الإدارية المؤسسية.
تفكيك الإدارة الموحدة للمشروع وإلغاء نظام التفاتيش الذي كان يضمن الرقابة والانضباط.
تضارب الصلاحيات بين الحكومة، اتحاد المزارعين، والجهات التمويلية.
غياب الرؤية الإستراتيجية بعد خروج المستعمر، والاكتفاء بإدارة يومية بلا تخطيط بعيد المدى.

ثانيا: التمويل والديون.
ضعف التمويل الزراعي واعتماد المزارع على القروض الموسمية.
تراكم الديون على المزارعين مما جعلهم يخرجون من دائرة الإنتاج الفعال.
توقف الدولة عن تحمل تكلفة العمليات الرئيسية مثل التحضير والري.

ثالثا: مشاكل الري والبنية التحتية
إهمال صيانة قنوات الري والترع الرئيسية والفرعية.
ترسيب الطمي والأعشاب داخل القنوات مما قلل من كفاءة انسياب المياه.
تدهور شبكة الطرق والكباري الداخلية التي كانت تربط الحواشات ببعضها.

رابعا: التغييرات التشريعية (قانون 2005م).
قانون 2005م لمشروع الجزيرة فتح الباب للملكية الفردية الكاملة وحرية التصرف في الأرض، مما أدى لتفتت الملكية الزراعية.
خروج الدولة من بعض الالتزامات (مثل التمويل والإشراف) وترك المزارعين لمواجهة السوق دون حماية.

خامسا: التدهور الاقتصادي العام
ضعف سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الصعبة.
ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج (السماد، المبيدات، الوقود). ضعف التسويق وغياب السياسات المشجعة للصادر، مما قلل العائد للمزارع.

سادسا: العوامل الاجتماعية والسياسية.
النزاعات السياسية والتجاذبات حول المشروع وموارده.
هجرة المزارعين أو انشغالهم بأنشطة أخرى غير الزراعة بسبب ضعف العائد. سياسات خصخصة غير مدروسة أضرت بالمشروع.

سابعا: المشاكل البيئية والطبيعية
تراكم الطمي في خزان سنار وتراجع كفاءة الري.
التغيرات المناخية وتذبذب معدلات الأمطار وتأثيرها على الدورة الزراعية. انتشار الآفات الزراعية والأمراض بسبب ضعف المكافحة.


اليوم، وبعد أكثر من سبعين عاماً على الاستقلال، نبكي على أطلال مشروع الجزيرة، ونشاهد مؤسساتنا تنهار.

السبب؟ الفساد، وصراعات السلطة، والطمع، حتى تحولت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها النخب. ضاعت السكة حديد، تبخرت المصانع، انهارت الخدمة المدنية، وتآكلت المشاريع الإنتاجية.

واخيرا: حروب تستنزف الوطن، ومواطن مغلوب على أمره كلما تبنى مثل هذه المشاريع تهدمها الحرب ولعل تمرد الدعم السريع كان بمثابة الخنجر الأخير للدمار والانهيار وللأسف حرب يقودها أبناء الوطن الواحد.


يا للمفارقة! المستعمر الذي جاء عدواً يبدو أفضل منا نحن أبناء الوطن الذين أهملنا إرثنا وأضعناه بأيدينا.
كيف لأمة تحلم بان تستعيد ماضيها أكثر من حاضرها.

البرهان المجلس السيادىعاجل ابعاد برس أخبارمقالات
  • أعمدة رأي
  • ابعاد
  • مقالات رأي
  • من الأسافير
Comments (0)
Add Comment