بقلم: د.محمد عمر محمد حسين
باحث في الدراسات الاستراتيجية
اقتصاد الحرب: روشتة عاجلة لرفع المعاناة عن السودانيين .. هل تملك الحكومة الجرأة؟
يواجه المواطن السوداني اليوم تحدياً غير مسبوق في تاريخه الحديث؛ فبين مطرقة النزوح والتهجير وسندان الغلاء الفاحش، تآكلت القدرة الشرائية وانهارت سبل العيش.
وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، وتشجيع الحكومة لعودة المواطنين الي ديارهم لم يعد العمل بالسياسات المالية التقليدية مجدياًًُ، بل بات من الضروري جدا الانتقال إلى “اقتصاد المبادرة” وذلك عبر حزمة إجراءات حكومية جريئة تستهدف تخفيف العبء عن كاهل الأسر وتحريك عجلة الإنتاج المتعثرة بسبب الحرب.
وهناك مقترح من الإجراءات من الإعفاء إلى التعافي لتساعد في تخفيف وطأة الحرب، وهذه المقترحات الحكومية تعمل لتبني سياسة إعفاءات ذكية وشاملة تستهدف القطاعات التي تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر أمثلة منها:
الأصول الشخصية ومواد الإعمار
وتتمثل في إعفاء العربات والأثاثات المنزلية والتي تمثل أصولاً أساسية للاستقرار. الإعفاء الجمركي الكامل لهذه الفئات يسهم في تقليل تكلفة التأسيس من جديد.
ثورة في مواد البناء
مع الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والمنازل، نقترح التخفيض المقدر للرسوم الجمركية والضرائب على الأسمنت، الحديد، والمدخلات الإنشائية لتحفيز المواطنين على إعادة الإعمار بجهودهم الذاتية.
قطاع الإنتاج والصناعة
مدخلات الإنتاج: إعفاء المواد الخام وماكينات التصنيع من كافة الرسوم والضرائب لمدة زمنية محددة (عامين مثلاً) لضمان عودة المصانع للعمل وتوفير السلع محلياً بدلاً من استيرادها بالعملة الصعبة.
تحفيز القطاع الخاص
تخفيض الضرائب على الشركات والمؤسسات الخاصة المسجلة والمرخصة قبل الحرب، مع منح ميزات تفضيلية للشركات التي تفتح فروعاً في الولايات الآمنة.
ولضمان العمل الصحيح وعدم الاستغلال وذلك لضمان وصول الدعم لمستحقيه لكي لا تتحول هذه الإعفاءات إلى ثغرات يستغلها “تجار الأزمات”، لا بد من وضع ضوابط صارمة وهذه أمثلة لاقتراح اجراءات:
ربط الإعفاء بالرقم الوطني
لضمان أن الإعفاء للأفراد يتم لمرة واحدة فقط وبكميات منطقية للاستخدام الشخصي.
شهادة المنشأ والوجهة: بالنسبة لمواد البناء ومدخلات الإنتاج، يجب متابعة وصولها للغرض المخصص لها عبر لجان رقابية ميدانية.
فترة سماح مشروطة: الإعفاء الضريبي للشركات يجب أن يرتبط بـ “سقف سعري” للسلع المنتجة، لضمان انعكاس الإعفاء على جيب المواطن.
كيف تعوض الدولة الفاقد الإيرادي؟ (بدائل ذكية)
السؤال الجوهري هو: من أين ستأتي الحكومة بالمال إذا تنازلت عن هذه الرسوم؟ الإجابة تكمن في ابتكار مصادر دخل غير تقليدية: توسيع المظلة الضريبية أفقياً: بدلاً من إرهاق الملتزمين، يجب ملاحقة “اقتصاد الظل” والأنشطة التجارية غير المقننة التي نشأت خلال الحرب.
رقمنة التحصيل المالي: سد منافذ التسرب المالي من خلال تفعيل التحصيل الإلكتروني الشامل، مما يضمن وصول كل قرش إلى خزينة الدولة.
صكوك إعادة الإعمار: طرح سندات وصكوك وطنية للمغتربين السودانيين بضمانات ذهبية أو عقارية، لضمان تدفق السيولة بالعملة الصعبة.
الاستثمار في الموارد المهدرة: تفعيل شراكات مع القطاع الخاص لاستغلال الأراضي الزراعية والمناجم في المناطق الآمنة بنظام “المقاسمة” أو البوت (BOT).
تشغيل الموانئ واستغلال الساحل وإيجار مواقع لبعض الدول الحبيسة .
عمل مطار دولي بضمان عائدات المرور الدولي واستثماره عمل البنية التحتية بال BOT
ترشيد الإنفاق الحكومي: تقليص الهياكل الإدارية غير الضرورية ودمج الوزارات لتقليل التكلفة التشغيلية للجهاز التنفيذي.
خاتمة
إن رفع المعاناة عن المواطن السوداني ليس ترفاً، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية لبقاء الدولة.
إن التنازل عن بعض الإيرادات اليوم في شكل إعفاءات هو استثمار في “رأس المال البشري” الذي سيبني سودان الغد.
الكرة الآن في ملعب صانع القرار: فهل نبدأ بمرحلة “التعافي بالإنتاج” أم نستمر في “الجبايات” التي تزيد من عمق الأزمة وتضعف العودة الطوعية؟