“التسرب المدرسي” .. خلل في معادلة التعليم وانعكسات سلبية

متابعات


تقرير: فاطمة علي سعيد

يعاني السودان من ظروف اقتصادية ضاغطة جراء توقف الدعم الدولي عقب تولي الجيش السلطة في 25 أكتوبر 2021، وحذرت يونيسيف ومنظمات إغاثة دولية من أن 8.2 ملايين من السكان بحاجة إلى المساعدات الإنسانية خلال العام الجاري 2022.


وما تزال الكوارث البيئية تعيق مسيرة التعليم في البلاد، إذ أدت السيول والفيضان العام الماضي إلى تدمير 124 مدرسة وفقا لإحصائيات رسمية، بوقت ما تزال الاضطرابات السياسية تلقي بظلالها السالبة على التقويم الدراسي، وليس نهاية بتنامي الصراعات القبلية وما يستتبع ذلك من عمليات نزوح واسعة النطاق.

وقال تقرير إحصائي أعدته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ومنظمة “أنقذوا الأطفال” عن ظاهرة التسرب المدرسي في السودان.
وقدّر التقرير المشترك حجم الطلاب ممن هم في سن الدراسة لكنهم خارج الفصول بـ(6.9) ملايين تلميذ، في وقت يواجه قرابة (12) مليون تلميذ آخرين مشاكل تتصل بعدم استقرار التعليم جراء نقص المعلمين، وتردي البنى التحتية، وضعف البيئة المدرسية.

وبدأت ملامح الانعكاسات السلبية لتدهور التعليم تظهر بشدة على الاقتصاد السوداني، خصوصا في ظل تدني ميزانية البحث والتطوير وعدم الاهتمام بتوفير المناخ المناسب الجاذب للأستاذ الجامعي رسوم باهظة في المؤسسات الخاصة والتعليم يثقل كاهل السودانيين

قَدرت منظمة اليونسيف أعداد الطلاب خارج المدارس بحوالي (3.6 ) ملايين مما يعكس وجود تنامي كبير للظاهرة إلى حدود القلق المنظمتان الدوليتان نشرتا تقريرهما في 12 سبتمبر2022م،

وقد أرجعتا سبب الأرقام الكبيرة للطلاب خارج المدارس في السودان (لا سيما الإناث) إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي ظاهرة النزاعات، وإغلاق المدارس إلى فترات طويلة بسبب كوفيد-19.


وعزا وزير التربية والتعليم السابق مجمد الامين التوم من أسباب التسرب المدرسي انخفاض الوعي بأهمية وجدوى التعليم لدى بعض الأسر السودانية. مضيفاً إغلاق الجامعات يجبر الطلاب على الأعمال الهامشية.

ولفت الى ان نصيب التعليم في الموازنات العامة يحظى بنسب ضئيلة جدا تصل أحيانا إلى 2% فقط ، جراء تبعات الصرف الكبير على قطاعَي الأمن والدفاع.


وقال ان من أسباب تدهور التعليم العام في السودان بعدة أسباب ابرزها “عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بإعطائه الأولوية المطلوبة، باعتباره أحد أهم مقومات التنمية للبلد، إضافة إلى التدخل الأيديولوجي الخطير الذي طال المناهج والمقررات الدراسية خلال الأعوام الثلاثين الماضية، والضعف الكبير في الإنفاق الحكومي”.


وقال التوم إن “الوزارة والجهات المختصة سعت بعد أبريل 2019 إلى وضع خطط لإصلاح العملية التعليمية وتنقية المناهج والمقررات من الشوائب التي لحقت بها، وصولا إلى مناهج ومقررات تتسق مع التطورات العالمية ومتطلبات التنمية ، إضافة إلى الاهتمام بتدريب وتحسين أوضاع نحو (300) ألف معلم يعملون في قطاع التعليم العام.


واشار الى ان “متوسط الإنفاق على التعليم في السودان يبلغ1,3% من الإنفاق السنوي، وهو معدل ضعيف للغاية مقارنة مع 20% حسب المتطلبات العالمية”.


وقال أن “التعليم لا يمثل أولوية لدى النخب السياسية الحاكمة، بداية من غياب السياسات التعليمية، وضعف التمويل المخصص في الموازنات العامة، مرورا بتعيين وزراء التربية والتعليم في حقبة نظام المعزول البشير (1989-2019) من باب تأليف قلوب الساسة للالتحاق بالسلطة، وصولا إلى عدم تعيين وزير لإدارة الشأن التعليمي بالبلاد منذ حل الحكومة الانتقالية الأولى في فبراير 2021، وإسناد الأمر لمن يدير ملفاتها بآلية التكليف”.


واضاف تضمنت الخطط موازنة للتعليم بقيمة 80 مليون دولار لضمان إلحاق كل الأطفال في سن السادسة بالمدارس بحلول عام 2029م ، ورفع كفاءة البيئة المدرسية وتوفير المتطلبات اللازمة لمنع تسرب التلاميذ من المدارس سواء لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية”.، وبيّن التوم أن بسبب الظروف التي يعيشها السودان في الوقت الحالي تتصل بالسلطات الحالية قطعت الطريق أمام عمليات إصلاحات كبيرة

وحالت دون إجازة القوانين الخاصة بالتعليم، بجانب وقف مشروعات طموحة تضمن إرسال الطلاب إلى المدارس، كإقرار مبدأ مجانية التعليم الحكومي، ومشروع الوجبة المدرسية للتلاميذ في الفصول من الأول وحتى الثامن بالمرحلة الأساسية”. واضاف التوم ان ضعف الإرادة السياسية للنهوض بالتعليم والمشكلات التي يعانيها القطاع منذ حصول السودان على استقلاله في العام 1956″.


واوضح ان التدهور الأكبر حدث خلال فترة التسعينيات، التي شهدت إقحاما خطيرا للفكر الإخواني حتى في العلوم التطبيقية البحتة، مثل الرياضيات وغيرها، مما أضعف العملية التعليمية ومخرجاتها بشكل كبير”.


واكدت مديرة الإدارة العامة للتخطيط والسياسات والبحوث بوزارة التربية والتعليم، الدكتورة ابتسام محمد الحسن.ان آخر إحصائية حكومية صدرت في العام 2018، وقدّرت أعداد الطلاب خارج المنظومة المدرسية بما يزيد على( 3 )ملايين.


وشددت عضو لجنة المعلمين السودانيين، درية بابكر على وجود زيادة كبيرة في نسبة المتسربين من الدراسة مقارنة بالأعوام السابقة.
وقالت إن “السلطات الحالية تبنت سياسات تساهم في زيادة التسرب المدرسي، نحو إعادة الرسوم الدراسية، وعودة المدارس النموذجية ، الأمر الذي يعني العمل بنظام القبول الخاص داخل مدارس تابعة في الأصل للحكومة”.


وأضافت ” عدد الأطفال في المنظومة التعليمية الحالية يقدر بحوالي(8 ) ملايين طالب، في حين عدد السكان في الفئة العمرية من (4 إلى 14) عاما لا يتخطى( 14 )مليون نسمة بأي حال”.


وقال مختص في شئون التعليم عمر بابكر إن “الأثر القريب والمتوسط لحرمان الأطفال من حقهم الدستوري في التعليم يتمثل في زيادة أعداد الفاقد التربوي، وتعرض الأطفال للانتهاكات في أماكن العمل، زد على ذلك تفاقم الظواهر المجتمعية كالالتحاق بالمليشيات والمجموعات العسكرية، وارتفاع نسب زواج الطفلات”.


وتوقّع بابكر حدوث خلل في معادلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، جراء عدم التزام السودان بأهداف التنمية المستدامة وجدول التنمية المستدامة 2030م التي تنص على التزام الدول بمؤشرات “التعليم الجيد، والمنصف، والشامل، المتاح للجميع”، ما يعني حرمان البلاد من التمويل والخبرات المتبادلة مع الشركاء الدوليين. ويرى استاذ علم الأنثربيولجي في جامعة الخرطوم، محمد المصطفى، أن”محاولات اختراق النظام العلمي والبحثي في الجامعات السودانية ظلت مستمرة منذ نهاية السبعينيات، لكن تلك المحاولات لم تترسخ وتحقق هدفها إلا بعد 1989”.

أشار إلى “التأثير الكبير للإضعاف المتعمد في ميزانيات الجامعات، مقارنة بالإنفاق المفتوح على الجوانب الأمنية والحزبية”.


وقال المصطفى “البعد الأيديولوجي طال أنظمة البحث العلمي، مما أدى إلى تشويهها وتوجيهها في الاتجاه الذي يناسب أهداف اقتصادية وسياسية واجتماعية لمجموعات محددة، مما أثر سلبا على الأستاذ الجامعي ومجمل الأوضاع في البلاد


وبدورها، لفتت عضو لجنة معلمي السودان، قمرية عمر، إلى أن”المعضلة الأكبر التي تواجه التعليم في البلاد، هي الإهمال الحكومي وغياب الإرادة اللازمة لحل المشكلات المتعلقة بالمعلم أو طبيعة ومستوى المنهج الدراسي، أو البيئة المدرسية المتدنية”.

محذرة “إذا لم توضع سياسات صارمة لإنقاذ الموقف، فإن التدهور سيتواصل والتبعات الكارثية ستتزايد في ظل تدهور بيئة التعليم الحكومي خلال فترة حكم النظام السابق لجأ معظم السودانيين إلى المدارس الخاصة، بحثا عن وضع تعليمي أفضل لأبنائهم السنوات العشرين الماضية، شهدت توسعا كبيرا في مؤسسات التعليم الخاصة، حيث افتتحت أكثر من(2500 ) مدرسة خاصة، من بينها ( 1270 ) في العاصمة الخرطوم وحدها،


وقال المعلم محمد إبراهيم، الذي عمل مديرا للتعليم في ولاية الخرطوم إن “أهم مسببات التدهور الحالي في بيئة التعليم العام في البلاد، تتمثل في”عدم ترتيب الأولويات الحكومية وتراجع الاهتمام بالإنفاق على التعليم، مما أدى إلى هجرة العديد من المعلمين المؤهلين إلى الخارج أو للعمل في وظائف أخرى توفر لهم مستوى ماديا أفضل”و”التردي العام في مجمل قطاعات الدولة الخدمية والاقتصادية، انعكس سلبا على مؤسسات التعليم العام، التي تعاني حاليا من انهيار تام، سواء على مستوى البنيات التحتية أو التحصيل أو غيرها من الجوانب المكملة للعملية التعليمية”.

لكن تلك المؤسسات ظلت تعمل على رفع الرسوم بشكل مستمر، التي وصلت لأكثر من ألفي دولار، في بلد يعيش 60 % من سكانه تحت خط الفقر.


لكن التعليم الخاص وعلى ضعفه يشكل عبئا مادياً كبيراً على الأهالي، حيث ضاعفت معظم المدارس الخاصة رسومها الدراسية بنسب تراوحت ما بين 100 إلى 300 % خلال العام الحالي.


ويبرر ملاّك المدارس الخاصة تلك الزيادات بـ”ارتفاع تكاليف التسيير وأجور المدرسين، في ظل القفزة الكبيرة في معدلات التضخم التي تخطت 400 % على أساس سنوي.


لكن أهالي الطلاب وجمعية حماية المستهلك، يتهمون مؤسسات التعليم الخاصة بـ”الجشع وعدم مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودانيون حاليا”.من موجة إضرابات مع تدهور الاقتصاد وارتفاع الضرائب.


وشهدت العقود الماضية تراجعا كبيرا في ميزانيات مؤسسات التعليم العالي، مما أثر سلبا على مستوى البحث العلمي ووضع الأستاذ الجامعي، الذي أصبح يجد في جامعات أخرى خارج السودان أوضاعا اقتصادية وعلمية أفضل، مما أدى ذلك إلى نقص كبير في أعداد الأساتذة المؤهلين في الكثير من الجامعات السودانية.


وتدهور ترتيب الكثير من الجامعات السودانية في التصنيف العالمي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، لأسباب يتعلق بعضها بتدهور البيئة الجامعية داخل تلك المؤسسات، والبعض الآخر يتعلق بحالة عدم الاستقرار في الجداول الزمنية والنقص الحاد في الإمكانيات وعدم الاهتمام بميزانية البحث والتطوير.

أبعادأبعاد ابعاد قابل للكسر صحف أخبارأبعاد ابعاد قابل للكسر صحف أخبار عاجلة عاجلتقرير
  • اخبار
Comments (0)
Add Comment