الخطة “ب” للدعم السريع: محاولة تفكيك الدولة وصناعة الفوضى

مقالات رأي

 

أحمد بن عمر 

 

الخطة “ب” للدعم السريع: محاولة تفكيك الدولة وصناعة الفوضى

شهدت الساحة السودانية خلال العام 2024 تطورات عسكرية وسياسية معقدة، في ظل تصعيد مليشيا الدعم السريع لما بات يُعرف بـ الخطة “ب”، التي أعلن عنها قائد المليشيا في أكثر من مناسبة، كمحاولة للخروج من مأزق الفشل الميداني وتحقيق مكاسب سياسية عبر وسائل غير تقليدية.

وقد تناولتُ هذه الخطة تفصيليًا في تحليلات سابقة ولقاءات إعلامية متعددة، خاصة عقب موجة الاعتداءات المنسقة التي بدأت منذ مايو 2024، باستهداف منشآت حيوية في ولاية البحر الأحمر وامتدت إلى ولايات أخرى، ضمن نمط ممنهج يسعى لضرب مرتكزات الاقتصاد والخدمات الأساسية.

هذا المقال لا يُعنى بإثارة المخاوف أو التهويل، بقدر ما هو محاولة لقراءة المشهد بعيون استراتيجية تستشرف التحولات القادمة، وتساعد في بناء وعي وطني مؤسسي قادر على فهم تكتيكات المليشيا، واستيعاب طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد. فالشعب السوداني أثبت، رغم كل التحديات، صلابة استثنائية في مواجهة هذه المخططات، وما نحتاجه اليوم هو تعزيز هذه الصلابة برؤية واعية تُفكك خطاب المليشيا وتُحبط رهاناتها قبل أن تتحول إلى وقائع ميدانية يصعب التعامل معها.

الخطة الأولى: السيطرة والتمدد وخنق الجيش

اعتمدت هذه الخطة على السيطرة على أكبر عدد من المدن والتمدد جغرافيًا في المناطق المتصلة لفرض أمر واقع سياسي وإجبار الجيش السوداني على الدخول في مفاوضات بشروط تُمكّن المليشيا من تحقيق أكبر قدر من المكاسب.

راهنت المليشيا من خلال هذه الخطة على استغلال الأزمات الإنسانية التي أفرزتها الحرب، معتمدة على تحركات دولية كانت تأمل في أن تساهم في خلق بيئة تفاوضية تضمن لها الاعتراف كطرف سياسي وعسكري فاعل. وقد أطلقتُ على هذه النظرية “الانفصال الإداري للمدن”، حيث سعت المليشيا إلى خلق كيانات إدارية موازية منفصلة عن الدولة السودانية، وكونت ما يُسمى بـ الإدارات المدنية لإدارة المناطق التي سيطرت عليها.

إلا أن هذه الخطة سرعان ما واجهت انتكاسات حادة نتيجة الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قوات المليشيا في تلك المناطق، من قتل واغتصاب وتدمير للبنية التحتية الاقتصادية خاصة النظام الزراعي، وهو ما وفّر للجيش السوداني فرصة استثمار هذه الانتهاكات كأداة للحشد الداخلي، ورسالة قوية للمجتمع الدولي بضرورة مواصلة الحرب ضد هذه المليشيا.

أبرز التحولات التي أفشلت هذه الخطة تمثلت في:

• خروج القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان من القيادة العامة في الخرطوم في أغسطس 2024، واعتماد العاصمة المؤقتة كإجراء لتأمين المؤسسات الشرعية للدولة، إلى جانب تحركاته الدولية التي أعادت رسم خريطة التحالفات لصالح الحكومة السودانية.

• فشل المليشيا في فهم الخصائص الاجتماعية والثقافية للمناطق الوسطى في السودان، إذ مارست هناك القتل والاغتصاب ودمرت الأنظمة الزراعية التي تشكل عماد الاقتصاد المحلي، مما دفع سكان تلك المناطق إلى رفض قاطع للسيطرة المليشياوية، وشكّلوا مقاومة شعبية شرسة ضد تمددها.

• تشكُّل مقاومة شعبية قوية عبر المجموعات القبلية والمجتمعية، التي عملت على مواجهة هذا الاجتياح، وظهور ما عُرف بـ المليشيات شبه المستقلة لمقاومة مليشيا الدعم السريع تحت توجيه وإشراف الجيش السوداني. وكان أبرز هذه المليشيات “درع السودان” بقيادة أبو عاقلة كيكل، القيادي المنشق عن قوات الدعم السريع.

ومع تعاظم الرفض الشعبي، تمكن الجيش من تنظيم هذه القوى تحت قيادته، مدعومًا بحملات إعلامية نشطت عبر ما يُعرف محليًا بـ “الدُولجية”، وهم مجموعات من النشطاء نظموا أنفسهم عبر منصات التواصل الاجتماعي لدعم الجيش وفضح انتهاكات المليشيا.

لقد نجح هؤلاء النشطاء في نشر السرديات المقاومة وتحقيق تعبئة شعبية فعّالة، خاصة بعد بدء الجيش عملياته الفعلية لاستعادة المناطق التي فقد السيطرة عليها. أصبحت السوشيال ميديا في تلك المرحلة ساحة معركة موازية، حيث نشأت قروبات وتكتلات إعلامية مصطفة بين مؤيدين للجيش، ومؤيدين للمليشيا، وفئة “الرماديين” الذين تعاطفوا مع مشروع المليشيا قبل أن يُمنى بالفشل الذريع في محاولته لاحتلال السودان.

كانت هذه المعركة الإعلامية بمثابة حرب حقيقية على لوحات المفاتيح، سلاحها الأساسي الكلمة والصورة والفيديو، وأصبحت جزءًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام الداخلي والخارجي تجاه مجريات الحرب.

الخطة الثانية: ما بعد فشل خطة الانتشار وإعلان الخطة “ب”

مع فشل خطة السيطرة والتمدد وتحقيق الانتصار السريع، لجأت مليشيا الدعم السريع إلى الخطة “ب” كمرحلة تالية تستهدف إعادة صياغة استراتيجيتها بعد الضربات المتتالية التي تلقتها ميدانيًا وسياسيًا.

بدأت بوادر هذه الخطة بالظهور مع انسحاب الجيش السوداني المفاجئ من عدد من الحاميات العسكرية في المدن خلال العام الأول من الحرب، وهي خطوة أربكت المشهد وأثارت حالة من الإحباط الشديد لدى الرأي العام، بما في ذلك سكان مدينة ود مدني، التي أصبحت نموذجًا حيًا لحالة التململ الشعبي في تلك الفترة.

في ظل هذه الأوضاع، أعلنت المليشيا تصعيد عملياتها نحو مناطق جديدة، ووصلت إلى ولاية سنار، معتبرة إياها نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التمدد العسكري. إلا أن الجيش السوداني استعاد المبادرة ونظم صفوفه، مستفيدًا من الدعم العسكري والسياسي الذي وفرته له مليشيات الحركات المسلحة بقيادة مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم و المليشيات الاخرى .

وفي هذا السياق، أطلق الجيش عملية عسكرية نوعية تمكن خلالها من استعادة جبل موية، وهي محلية استراتيجية تابعة لولاية سنار، بتاريخ 15 أكتوبر 2024، مستخدمًا سلاح المسيّرات بشكل استراتيجي وفاعل لأول مرة بشكل موسع في الميدان.

هذا الانتصار دفع قائد المليشيا للخروج ببيان علني في أكتوبر 2024، أعلن فيه رسميًا عن فشل الخطة الأولى والانتقال إلى الخطة “ب”، معترفًا بأن قواته تعرضت لهزيمة ميدانية، ومتهمًا الجيش السوداني بتلقي دعم مباشر من مصر، وهو ما كشف بوضوح عن حجم الأزمة داخل معسكر المليشيا.

بدأت الخطة “ب” عمليًا عبر محورين رئيسيين:

1. الانسحاب التكتيكي وإعادة التمركز

انسحبت قوات المليشيا إلى ولاية الجزيرة، محاوِلةً التمركز فيها كآخر خطوط الدفاع الاستراتيجية، لكنها سرعان ما فقدت السيطرة عليها بالكامل بعد معارك عنيفة خاضها الجيش السوداني في يناير 2025، واستعاد خلالها السيطرة الكاملة على الولاية خلال ثلاثة أشهر.

2. الضغط الاقتصادي عبر حصار الإمدادات التجارية

بعد أيام فقط من استعادة الجيش جبل موية، لجأت المليشيا إلى استخدام ورقة الاقتصاد كورقة ضغط مباشرة. عملت على استهداف حركة التجارة ومنع تدفق السلع، خاصة تلك القادمة من مصر إلى مناطق سيطرة الجيش، في محاولة لخلق أزمات معيشية متعمدة تدفع السكان للضغط على الحكومة.

وقد أصدر ما يُسمى بـ “المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع”قرارًا برقم (5)، نُشر على منصات التواصل الاجتماعي، يقضي بإيقاف مرور 15 سلعة حيوية بريًا إلى مناطق سيطرة الجيش، في تعبير صريح عن تصعيد الموقف واستخدام الاقتصاد كسلاح مباشر بعد ايام من خطاب دقلو.

إلا أن الحكومة تعاملت مع هذا التهديد بذكاء، حيث بادرت إلى تغيير العملة الوطنية في ديسمبر 2024، ما قيد حركة التبادل النقدي بشكل كبير وأفشل مخطط المليشيا الاقتصادي. كما ساهمت عائدات صادرات الذهب في تعزيز احتياطي النقد الأجنبي، مما مكّن الدولة من تمويل جهود الجيش في استعادة المزيد من المناطق.

ولعب البنك المركزي السوداني دورًا حاسمًا في تحجيم السيولة النقدية وتفادي الانهيار الاقتصادي، مدعومًا بإجراءات الانتقال الرقمي، التي حسّنت بشكل ملحوظ من أداء المصارف التجارية، ورفعت قدرة الحكومة على إدارة الأزمة المالية المترتبة على هذه التحديات.

الخطة الثالثة: كيف وصلت المليشيا إلى قرار الخطة “ب” ومحاولة تشكيل حكومة موازية؟

مع اتضاح فشل الخطة “ب” ميدانيًا وضعف أثرها الاقتصادي على الحكومة السودانية، بدأت مليشيا الدعم السريع تبحث عن بدائل سياسية لتعويض إخفاقاتها العسكرية. كان هدفها الأساسي التحول من مليشيا عسكرية إلى كيان سياسي يحظى بقبول دولي، عبر التلويح بفكرة تشكيل حكومة موازية تدير المناطق التي ما تزال تحت سيطرتها.

بدأت إرهاصات هذه الخطوة مع مباحثات جنيف في يوليو 2024، التي دعت إليها الولايات المتحدة. إلا أن المليشيا أدركت خلال هذه الفترة أن الاعتراف بها كطرف شرعي بات أمرًا معقدًا ومستبعدًا، خاصة بعد أن نجح الجيش السوداني في إيصال رسالته بوضوح إلى المجتمع الدولي، مؤكدًا أن الخلاف القائم هو مع مليشيا متمردة، وأن أي مسار تفاوضي يجب أن يتم مع الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا.

فشل هذا المسار دفع المليشيا إلى تصعيد محاولاتها للسيطرة الفعلية على المعابر الحدودية، خاصة معبر أدري الحدودي مع تشاد، لكنها اصطدمت برفض قاطع من الحكومة السودانية، التي أكدت امتلاكها وحدها سلطة تنظيم المساعدات الإنسانية والتحكم في المعابر الدولية.

كما فشلت محاولات نقل المفاوضات من جدة إلى جنيف، بسبب رفض الجيش السوداني المشاركة في أي مسار تفاوضي خارج الإطار الرسمي المعترف به دوليًا، ما حرم المليشيا للمرة الثانية من انتزاع أي اعتراف دولي.

في هذا السياق، بدأت المليشيا الترويج إعلاميًا لفكرة إنشاء حكومة انتقالية في المناطق الخاضعة لها، على أمل فرض واقع سياسي جديد يضمن لها حضورًا دوليًا كسلطة أمر واقع. لكن هذه المحاولة واجهت عقبات بنيوية وهيكلية عميقة منذ بداياتها، أبرزها:

• تحوّل مناطق سيطرة المليشيا إلى بيئة طاردة اقتصاديًا وأمنيًا:

مع تزايد حالات النهب والسلب المنظم، وغياب أي بنية خدمية أو برامج تخفيف معاناة و انتشار تجارة السلاح وبيعها علناص كما حدث في سوق الضعين، أصبحت هذه المناطق مرادفًا للفوضى الأمنية والاقتصادية. حتى الفئات الصامتة والمتحفظة بدأت تتخذ مواقف رافضة لفكرة أي كيان تديره المليشيا، وهو ما ظهر جليًا في تدخل بعض الزعامات الأهلية مثل ناظر القبائل للإفراج عن الشحنات التجارية التي أوقفتها المليشيا تعسفيًا.

كما قامت المليشيا بمهاجمة منطقة برام بجنوب دارفور، وصادرت مخازن شركة الصمغ العربي، رغم أن المدينة تُعد مركزًا استراتيجيًا لبورصة الصمغ العربي وتخزينه، في خطوة أصابت هذا القطاع الحيوي بالشلل. وامتدت هذه الممارسات إلى فرض جبايات باهظة على مرور الثروة الحيوانية في شمال كردفان، وكذلك على معبر مليط التجاري، مما عمّق الأزمة الاقتصادية وزاد من معاناة السكان.

• غياب الرؤية المؤسسية والقدرة على بناء نموذج إداري حقيقي:

اعتمدت المليشيا في إدارتها للمناطق على ما يُسمى بـ “الإدارات المدنية”، وهي هياكل ضعيفة لا تملك سوى صلاحيات قمعية وفرض الجبايات. هذه الإدارات تفتقر لأي إطار قانوني أو مؤسسي، وتحولت إلى أدوات لشرعنة النهب المنظم وإدارة الموارد لصالح المجهود الحربي، لا لتلبية احتياجات السكان.

ومع التصعيد المستمر، دخلت المليشيا عمليًا في مرحلة الانفصال الإداري، مع تكوين إدارات مدنية هزيلة غير قادرة على التطور إلى هياكل حكم حقيقية، بل ظلت مجرد أذرع لفرض السيطرة الأمنية والمالية، دون أي دور خدمي أو تنموي.

• افتقار المشروع السياسي للمليشيا لأي أفق تنموي أو اقتصادي مستدام:

كل محاولات المليشيا السياسية انحصرت في تأمين استمرار تدفق الأموال والسلاح، دون تقديم أي رؤية اقتصادية تنموية أو برامج لتحسين الواقع المعيشي. بدا واضحًا أن هذه التحركات أقرب إلى مشاريع مؤقتة لتبرير استمرار الحرب، لا لبناء كيان سياسي مستقر أو تقديم حلول مستدامة لمشاكل المناطق الخاضعة لها.

• سقوط الخطاب السياسي للمليشيا أمام الحقائق الميدانية:

مع تزايد توثيق الانتهاكات في مناطق سيطرتها، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة فعّالة لفضح ممارساتها، انهارت حملاتها الدعائية داخليًا وخارجيًا. وفشلت في تسويق نفسها كسلطة قادرة على توفير الأمن والخدمات، بعدما باتت مناطقها مثالًا صارخًا لانعدام الأمن وانهيار الخدمات وامتهان كرامة الإنسان.

الخطة الرابعة: إعادة التموضع العسكري وتأسيس تحالف سياسي

بعد أن فشلت مليشيا الدعم السريع في تحقيق أهدافها عبر السيطرة الميدانية المباشرة، وانتقالها إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي دون جدوى، لجأت إلى خيار بديل يتمثل في إعادة التموضع العسكري والتحرك لتأسيس تحالف سياسي يمنحها غطاءً شرعيًا يعوّض عن غياب الاعتراف الدولي.

أولًا: إعادة التموضع العسكري

في هذه المرحلة، ركزت المليشيا على الانسحاب من المناطق التي تشكل عبئًا عسكريًا ولوجستيًا، خاصة بعد تعرضها لخسائر ميدانية كبيرة في ولاية الجزيرة وشمال كردفان، حيث سحبت قواتها إلى مناطق أكثر أمنًا، مركزة وجودها في بعض معاقلها بدارفور، وتحديدًا في الفاشر ونيالا، وفي أطراف العاصمة الخرطوم وأجزاء من ولاية غرب كردفان.

هذا الانسحاب لم يكن تكتيكيًا بحتًا، بل ارتبط بمحاولة الحفاظ على خطوط إمداد الذهب والموارد الطبيعية الحيوية لتمويل عملياتها العسكرية، وضمان استمرار مواردها المالية، خاصة مع ازدياد اعتمادها على الاقتصاد الحربي القائم على تجارة الذهب والثروات الحيوانية.

ثانيًا: محاولة تأسيس تحالف سياسي

أدركت المليشيا أن تحقيق انتصار عسكري بات أمرًا بعيد المنال، فحاولت خلق مظلة سياسية تتيح لها تقديم نفسها كجزء من المشهد السياسي السوداني.

بدأت هذه المحاولات بإجراء اتصالات مع بعض الفصائل السياسية والعسكرية، وسعت لإحياء تحالفات قديمة، مستغلة حالة الانقسام داخل بعض المكونات السياسية التي خرجت من تحالف قوى “تقدم”.

وقد ظهرت ملامح هذا التوجه عبر محاولة إطلاق تحالف سياسي عُرف لاحقًا باسم “تحالف تأسيس”، ضم شخصيات بارزة مثل:

• عبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية شمال (مقترح كنائب لحميدتي في المجلس الرئاسي).

• فضل برمة ناصر، رئيس حزب الأمة (انضمامه احدث انقسام داخل حزب الامة).

• الهادي إدريس، نائب رئيس تحالف “تقدم”، وعدد من الشخصيات السياسية المنشقّة.

هذا التحالف كان يهدف إلى:

• خلق غطاء سياسي لسلطة الأمر الواقع التي تسعى المليشيا لفرضها في مناطق سيطرتها.

• توفير غطاء شرعي لاستمرار العمليات العسكرية تحت مبررات الدفاع عن “المناطق المحررة” من هيمنة الجيش، وفق سرديات المليشيا الإعلامية.

• فتح قنوات تواصل مع المجتمع الدولي من خلال شخصيات سياسية معروفة، في محاولة لاستمالة بعض الدول الراعية لمسارات السلام في السودان.

لكن هذه المحاولة أيضًا لم تحقق اختراقًا حقيقيًا للأسباب التالية:

• غياب مشروع سياسي حقيقي ذي مضمون تنموي أو رؤى واضحة لإدارة البلاد وانما هي محاولة لاستنساخ نموذج الدولة القائمة و تقديمها كبديل اضافة لدعم المجهودات الحربية لمليشيا الدعم السريع .

• استمرار الانتهاكات في مناطق سيطرة المليشيا، مما جعل أي تحالف معها بمثابة انتحار سياسي لأي جهة تحاول تبرير مشروعها و تاريخياً ستوصم هذه المجموعات السياسية المتحالفة بانها  شريكة اكبر مجموعة عسكرية مليشية مارست انتهاكات في المواطن السوداني.

• الرفض الشعبي الواسع لفكرة تقنين وضع المليشيا سياسيًا، وهو ما ظهر جليًا في حملات إعلامية شعبية مناهضة لهذا التحالف، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الخطة الخامسة: استهداف المناطق الاستراتيجية الخاضعة لسيطرة الجيش

عقب فشلها في تحقيق أهدافها الميدانية والسياسية، انتقلت مليشيا الدعم السريع إلى تنفيذ أخطر مراحل استراتيجيتها تحت مسمى الخطة “ب”، والتي أطلقتُ عليها توصيفًا استراتيجيًا بـ “إضرار المواطن للضغط على الحكومة”.

تهدف هذه الخطة إلى خلق حالة من الانهيار الاقتصادي والخدمي في مناطق سيطرة الحكومة السودانية، ودفع المواطنين إلى ممارسة ضغط شعبي على السلطة الشرعية، باستخدام أدوات الحرب النفسية واستهداف البنية التحتية الحيوية.

أبرز العمليات المنفذة ضمن هذه الخطة:

• 2 مايو 2025: استهدفت المليشيا مصفاة الأبيض للبترول بطائرة مسيّرة، مما أدى إلى تدمير صهريجين يحتويان على وقود الديزل واشتعال حرائق ضخمة داخل المصفاة.

• 3 و4 مايو 2025: شنت المليشيا هجمات متكررة باستخدام المسيّرات على مطار كسلا، حيث تصدت الدفاعات الجوية لهذه الهجمات، لكنها تسببت في حالة من الذعر الواسع بين المدنيين وتعطيل حركة الملاحة الجوية.

• 5 مايو 2025: قصفت المليشيا مستودعات الوقود في بورتسودان، ما تسبب في اندلاع حرائق ضخمة وتصاعد أعمدة الدخان فوق الميناء، في خطوة استهدفت شلّ حركة الإمدادات عبر أهم منفذ بحري للسودان.

لماذا تقوم المليشيا بذلك؟

1.إنهاك الدولة اقتصاديًا وخدميًا

تعتمد هذه الاستراتيجية على استهداف الشرايين الحيوية التي تقوم عليها حركة الاقتصاد والخدمات العامة، مثل الكهرباء والمياه ومصافي النفط والموانئ.

• فالضربات الموجهة إلى مصفاة الأبيض ومستودعات بورتسودان لم تكن مجرد عمليات عسكرية بل كانت تهدف لخلق أزمات حقيقية في توفير المحروقات، مما يؤدي إلى شلل قطاعات النقل والتصنيع والزراعة والخدمات.

• كما أن تدمير محطات الكهرباء في مناطق مثل مروي والولاية الشمالية تسبب في إظلام مناطق كاملة، وأدى إلى تعطل شبكات المياه والمستشفيات ومراكز تقديم الخدمات، مما أثر مباشرة على حياة المواطنين.

2. تأليب الرأي العام ضد الحكومة

من خلال افتعال أزمات معيشية خانقة، تسعى المليشيا لدفع المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات.

• على سبيل المثال، أزمة الوقود المتعمدة بعد قصف مستودعات بورتسودان أدت إلى ارتفاع أسعار النقل والخدمات الأساسية بشكل كبير، ما أثار موجات استياء شعبي خاصة في المناطق التي تعتمد على الإمدادات القادمة من الميناء.

• هذه الأزمات تُستغل في حملات إعلامية مضادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف توجيه الغضب الشعبي نحو الحكومة بدلًا من تحميل المليشيا المسؤولية.

3. استنزاف الاحتياطي الاستراتيجي

المليشيا تدرك أن الاقتصاد السوداني هش ويعتمد بشكل أساسي على ما تبقى من موارد النفط والذهب، لذلك فهي تستهدف هذه الموارد لحرمان الدولة من أهم مصادر دخلها.

• قصف منشآت النفط يهدف إلى تعطيل الصادرات وزيادة التكاليف التشغيلية، مما يؤدي إلى تسريع استنزاف احتياطي النقد الأجنبي البسيط ، وهو ما يعطل قدرة الحكومة على استيراد السلع الأساسية ودعم العملة المحلية و مواجهة ضغوطات علي سعر الصرف .

4. توسيع رقعة المعركة وتفتيت الجهود الدفاعية

عبر استهداف مناطق مستقرة وبعيدة عن خط المواجهة المباشرة، تجبر المليشيا الجيش السوداني على إعادة توزيع قواته على جبهات متعددة، مما يضعف خططه الهجومية ويشتت جهوده الدفاعية.

• على سبيل المثال، الهجمات المتكررة على كسلا و بورت سودان دفعت الجيش لنشر وحدات دفاع جوي إضافية في الشرق، رغم أن الجبهة العسكرية الرئيسية كانت في وسط وغرب البلاد، وهو استنزاف عسكري غير مباشر.

5. ضرب الأمن الغذائي وعرقلة التحضير للموسم الزراعي

السودان يعتمد علي جزء كبير من اقتصاده على الزراعة، وضرب مضخات المياه ومحطات الكهرباء التي تغذي المشاريع الزراعية الكبرى يشكل تهديدًا خطيرًا للأمن الغذائي.

• هذه الاستراتيجية تُنفذ بهدف حرمان الحكومة من تحقيق استقرار اقتصادي عبر مواسم الحصاد القادمة، وخلق موجات مجاعة متوقعة تدفع لمزيد من الضغط الشعبي والاضطرابات.

6. عرقلة تدفق المساعدات الإنسانية

بقصف الموانئ والمطارات، تسعى المليشيا إلى خنق خطوط الإمداد التي تعتمد عليها المنظمات الإنسانية لتوصيل المساعدات للمناطق المتضررة.

• استهداف مطار بورتسودان وقطع الطرق المؤدية إليه أدى إلى تعليق بعض عمليات الإغاثة الدولية مؤقتًا، ما ساهم في تفاقم معاناة آلاف الأسر المحتاجة، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد كليًا على هذه المساعدات.

7. تقويض الشرعية السياسية للحكومة

الهدف النهائي لهذه العمليات هو التشكيك في قدرة الحكومة الشرعية على إدارة البلاد، وإظهارها كسلطة عاجزة عن حماية مؤسساتها ومواطنيها.

• عبر تصعيد الهجمات على بورتسودان، التي أصبحت العاصمة الإدارية المؤقتة، تحاول المليشيا إرسال رسالة للمجتمع الدولي بأن الحكومة السودانية تفتقد السيطرة حتى على معاقلها الآمنة، وهو خطاب تُروج له المليشيا عبر قنواتها الإعلامية ومنصاتها في الخارج.

8. احتمالات التصعيد باستهداف محطات المياه وبنية الاتصالات (توقع مستقبلي خطير):

لم تعد هذه التهديدات مجرد توقعات، بل تحوّلت إلى سياسة ممنهجة اتبعتها المليشيا بالفعل منذ المراحل الأولى للحرب.

• ففي فبراير 2024، أقدمت المليشيا على قطع خدمات الاتصالات بشكل متعمد في عدة مناطق، شلّت من خلالها قدرة المواطنين على التواصل، وأعاقت عمل المؤسسات الحكومية والإغاثية، في خطوة تهدف إلى خلق عزلة داخلية وإرباك مراكز القيادة والسيطرة.

• كما استهدفت المليشيا البنية التحتية للمياه في أكثر من مناسبة، كان أخطرها تدمير محطة تنقية مياه الشرب في منطقة جبل أولياء بالكامل، أثناء فترة احتلالها للمنطقة، ما حرم مئات الآلاف من المواطنين من الوصول إلى المياه النقية، وخلق أزمة إنسانية خانقة.

استنادًا إلى هذا السلوك المدروس، فإن المليشيا قد تواصل – لا قدر الله – استهداف محطات المياه الكبرى وشبكات الاتصالات الاستراتيجية في المرحلة القادمة، خاصة مع تصاعد عزلتها السياسية وتضييق الخناق عليها عسكريًا.

هذا التصعيد المحتمل يحمل في طياته مخاطر كارثية على الأمن المعيشي والاقتصادي، إذ أن استهداف مصادر المياه سيفاقم الأزمة الصحية ويعرض المدنيين لخطر انتشار الأوبئة، في حين أن ضرب بنية الاتصالات سيشل قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ.

إن استمرار هذا النمط من الهجمات يؤكد أن المليشيا تتبنى سياسة “إرهاب الخدمات” كسلاح أخير في معركتها السياسية والعسكرية، مستهدفة حياة المدنيين بشكل مباشر لتحقيق مكاسب تفاوضية على حساب معاناة الشعب السوداني.

 

أدوات المليشيا لتنفيذ هذه الخطة:

1. استخدام الطائرات المسيّرة كأسلوب قتال منخفض التكاليف وعالي التأثير

• المليشيا حصلت على طائرات مسيّرة متطورة يُعتقد أنها صينية الصنع، وفقًا لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية في مايو 2025، استند إلى تحليلات صور لمخلفات الهجمات ومعلومات من معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI).

• هذا النوع من السلاح أتاح للمليشيا تنفيذ هجمات دقيقة على أهداف اقتصادية حيوية دون الحاجة إلى معارك برية مباشرة، مع تقليل الخسائر في صفوفها.

• وتمركزت منصات إطلاق هذه المسيّرات في مناطق مثل نهر النيل وكسلا وسنار وأجزاء من دارفور، مما سهّل الوصول إلى العمق الاستراتيجي لمناطق سيطرة الحكومة.

2. اعتماد سياسة الاقتصاد الحربي

• لجأت المليشيا إلى تعزيز سيطرتها على الموارد الطبيعية، خاصة تجارة الذهب عبر شبكات تهريب منظمة إلى الأسواق الإقليمية، ما أمدها بموارد مالية كبيرة استُخدمت في تمويل شراء الأسلحة والمسيّرات.

• إلى جانب ذلك، فرضت إتاوات وجبايات باهظة على الأنشطة التجارية في المعابر البرية، كما حدث في معبر مليط التجاري وطرق التهريب عبر الحدود مع تشاد وليبيا، ما أضعف الاقتصاد المحلي وأدى لارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني في الأسواق.

3. استخدام الحرب النفسية والإعلامية

• سخّرت المليشيا أذرعها الإعلامية، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لخلق حالة من التشويش والفوضى المعلوماتية، والترويج لفكرة فشل الحكومة في توفير الأمن والخدمات.

• كما استغلت هذه المنصات لبث صور ومقاطع فيديو تُظهر آثار الهجمات التي نفذتها، بهدف تضخيم حجم تأثيرها وخلق حالة من الهلع بين المواطنين، مع تسويق فكرة أن المليشيا قادرة على ضرب أي هدف استراتيجي متى ما أرادت.

 

الخطة السادسة: إعلان الحكومة تحقيق الخطة (ب)

مع تصاعد الإخفاقات الميدانية للمليشيا، وفشلها في تحقيق أهدافها عبر السيطرة الجغرافية والضغط الاقتصادي، اتجهت إلى التفكير في استكمال مسارها السياسي بإعلان حكومة انتقالية كجزء من استراتيجيتها لإضفاء الشرعية على وجودها.

لكن هذا المشروع بقي في إطار الإرهاصات الإعلامية والتحركات غير المعلنة رسميًا، حيث أدركت المليشيا أن إعلان حكومة موازية بشكل رسمي سيضعها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويكشف هشاشة بنيتها الإدارية والاقتصادية.

ورغم عدم إعلان هذه الحكومة رسميًا الذي ينتظره الناس ، فقد لوحظ خلال الشهور الماضية بدء المليشيا في تهيئة بيئة انفصال إداري عبر إنشاء إدارات مدنية هشة في بعض المناطق تحت سيطرتها، وهي إدارات محدودة الصلاحيات تركز على الجبايات وفرض السيطرة الأمنية، دون أن تملك أي قدرة حقيقية على تقديم خدمات أو إدارة مؤسسات الدولة.

أبرز مظاهر هذه التحركات:

• إصدار تعليمات إدارية عبر ما يسمى بـ “المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع”، الذي حاول أن يتقمص دور السلطة التنفيذية في المناطق الخاضعة للمليشيا، عبر فرض قرارات تتعلق بالتحكم في التجارة والموارد.

• محاولات فرض الضرائب على حركة البضائع والثروة الحيوانية، كما حدث في معبر مليط التجاري وطرق مرور الثروة الحيوانية في شمال كردفان، في إطار محاكاة هياكل الدولة دون امتلاك أدواتها الحقيقية.

• تحركات ميدانية لإحكام السيطرة على الموارد الاقتصادية الاستراتيجية، كما حصل في منطقة برام بجنوب دارفور عندما تمت مصادرة مخازن شركة الصمغ العربي، رغم الأهمية الاقتصادية القصوى لهذه المدينة كبورصة للصمغ ومركز لتجارة المحاصيل.

العقبات البنيوية التي حالت دون إعلان هذا الكيان رسميًا:

• غياب أي قدرة مؤسسية على إدارة شؤون المناطق الخاضعة لها:
اقتصرت أدوات المليشيا الإدارية على فرض الجبايات والسيطرة الأمنية، دون أي وجود فعلي لمؤسسات تقدم خدمات تعليمية أو صحية أو اجتماعيةرغم وجود الادارات المدنية، ما أفقد هذه الإدارات أي مصداقية كمقدمة لإدارة دولة أو حتى كيان سياسي مستقر.

• افتقار المشروع لأي أفق اقتصادي وتنموي:
كل التحركات التي قادتها المليشيا كانت تصب في تعزيز الموارد المالية لتمويل الحرب، عبر السيطرة على الذهب والمعابر وفرض الإتاوات، دون تقديم أي رؤية اقتصادية تنموية لتحسين حياة السكان، ما جعل محاولاتها تبدو كغطاء هش لاستمرار عملياتها العسكرية لا أكثر.

• سقوط الخطاب السياسي أمام الحقائق الميدانية:
رغم الحملات الإعلامية المكثفة، فشلت المليشيا في إقناع الداخل والخارج بأنها تمتلك مشروع حكم حقيقي، حيث تناقضت دعايتها مع واقع الفوضى الأمنية والاقتصادية في مناطق سيطرتها، وهو ما وثقته التقارير الميدانية ووسائل الإعلام الدولية.

• اقتسام التمثيل السياسي داخل التحالف والتهافت على المناصب

 عجز التحالف الداعم للمليشيا عن الاتفاق على هيكل سياسي متماسك بسبب الصراعات الحادة بين مكوناته حول تقاسم السلطة والمناصب في الحكومة المزمع تشكيلها.

 تصاعدت حدة الخلافات بين الشخصيات السياسية والعسكرية التي تدور في فلك المليشيا، حيث سعى كل طرف لانتزاع مواقع قيادية أو حقائب وزارية في هذا الكيان المتوقع، رغم غياب أي إعلان رسمي له.

 هذه الصراعات أبطأت بلورة المشروع السياسي وأدخلت التحالف في حالة من الجمود، ما أظهر هشاشة بنيته التنظيمية وجعله عاجزًا عن تقديم نفسه كبديل سياسي جاد.

ورغم تعثر مشروع المليشيا في تشكيل حكومة موازية، إلا أن هذا التعثر لا يُمكن قراءته بمعزل عن نقاط الضعف في أداء الحكومة السودانية والجيش خلال فترات حاسمة من الصراع. فقد ساهم بطء الاستجابة الرسمية في بداية الحرب، خاصة تجاه تمدد المليشيا في مناطق حيوية مثل الخرطوم ومدن الوسط، في منحها مساحات للتحرك والمناورة.

كما أن غياب التنسيق المحكم بين الأجهزة الأمنية والعسكرية أضعف الجهود الميدانية وأدى إلى خسارة مؤقتة لمواقع استراتيجية، قبل أن يتم استعادتها لاحقًا.

على الصعيد السياسي، لم تُحسن الحكومة استثمار الزخم الشعبي الرافض لمشروع المليشيا، وترك فراغ إعلامي واسع سُمح فيه لنشاط المليشيا الدعائي بالتأثير على بعض الفئات، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي, لاكثر من عام ونصف سيطرة السردية للمليشيا علي السوشال ميديا التي كانت تفرض علي انها واقع .

أما على المستوى الاقتصادي، فقد تأخرت إجراءات الحكومة في تخفيف الأزمات المعيشية، وبدت الحلول المطروحة غير كافية لاحتواء حالة السخط الشعبي في المناطق المتأثرة بالحرب خاصة في ما يلي المرتبات و الخدمات و الضغوطات السكانية بسبب اكبر نزوح داخلي.

وفي ظل هذا الغياب، ظلت الساحة مفتوحة أمام المليشيا لفرض تصوراتها المشوهة حول مستقبل البلاد، معتمدة على شعارات مبهمة لا تقوم على مشروع سياسي واضح، بل تروّج لفكرة الانفصال الإداري وتفكيك مؤسسات الدولة القائمة. وبدلًا من تقديم بدائل واقعية، ركزت المليشيا على تعميق حالة الفوضى وطرح خطاب قائم على تقويض ما تبقى من بنية الدولة، مستغلة هذا الفراغ السياسي لتمرير أجندتها عبر أدوات القوة المسلحة لا عبر الحوار أو البناء المؤسسي.

اخيراً مؤشرات 

عكست الخطط الستة لمليشيا الدعم السريع منذ بداية الحرب وحتى اليوم حالة من التخبط الاستراتيجي العميق والانتقال غير المنطقي بين خيارات عسكرية واقتصادية وسياسية، دون أي رؤية متماسكة لمستقبل البلاد أو حتى لمصير المليشيا ذاتها.

وعلى عكس ما تقتضيه التحركات العسكرية والسياسية الرشيدة، لم تكن تنقلات المليشيا بين هذه الخطط ناتجة عن قراءة موضوعية لمعادلات القوة أو متغيرات الواقع، بل جاءت كاستجابات عشوائية للأزمات، تُفرض عليها بفعل الفشل الميداني والضغوط السياسية والاقتصادية.

الأخطر أن هذه المليشيا لا تملك في جوهرها أي مشروع سياسي أو تحليل ثقافي أو اقتصادي لطبيعة الصراع، بل تستند إلى شعارات فارغة تكشف عن أزمة بنيوية في فهم الدولة والمجتمع. وقد لخص هذه الأزمة تصريح لأحد المنضمين إلى المليشيا، ويدعى أبو شوتال، حين قال:

“نحن نريد إنهاء دولة 56”
في إشارة إلى الدولة السودانية التي تأسست مع الاستقلال في عام 1956.

ومن المفارقات العجيبة أن هذه المقولة العفوية تحولت إلى شعار مركزي يردده قادة المليشيا ونشطاؤها، في دلالة صريحة على غياب أي تصور لبناء دولة جديدة، ووجود إرادة مدمّرة تهدف فقط إلى إنهاء ما هو قائم دون تقديم بديل قابل للحياة.

هذه الحالة تفسر لماذا ظلت المليشيا تدور في حلقة مفرغة من التدمير الممنهج، دون التقدم خطوة واحدة نحو تقديم مشروع سياسي جاد، بل تحولت إلى أداة لتعميق الفوضى وتسويق خطاب الكراهية والتفكك الوطني.

وإن كانت بعض تحركات المليشيا مؤثرة على المدى القصير، إلا أن افتقارها لأي مشروع يعتمد منهج  تحليل ثقافي أو سياسي قابل للبقاء يجعل مصيرها الحتمي هو التفكك والانهيار، خاصة مع تنامي الوعي الشعبي الذي يدرك أن هذه الجماعة لا تحمل سوى مشروع الخراب، وهدفها الأساسي تفكيك بنية الدولة السودانية بكل رموزها ومؤسساتها.

لكن في المقابل، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة داخل مؤسسات الجيش والحكومة السودانية، لفهم التحولات المتسارعة في هذا الصراع، وتطوير استراتيجيات أكثر ديناميكية وفعالية للتعامل مع هذه التهديدات، بما يضمن حماية وحدة السودان ومؤسساته وبناء مشروع وطني جامع قادر على التصدي لمثل هذه المشاريع الهدامة.

 

أبعاد ابعاد قابل للكسر صحف أخبارأبعاد ابعاد قابل للكسر صحف أخبار عاجلة عاجلاحمد بن عمرالجميل الفاضل من الاسافير المقالات تعبر عن رأى كاتبهامقالات قابل للكسر للحقيقة بعد آخر
  • أعمدة رأي
  • ابعاد
  • رأي عام
  • مقالات رأي
  • من الأسافير
Comments (0)
Add Comment