السودان بمنظار ماضي الستينات وبصيص أمل الحاضر والمستقبل…

النذير عبدالله صلاح الدين

السودان بمنظار ماضي الستينات وبصيص أمل الحاضر والمستقبل… سوياً نمتطي ظهر قطار السلام والسياحه… (اب درقات تور الحكومه) كما يسمونه أهلنا الطيبين…

السلام والاستقرار والعوده إلى سودان الزمن الجميل…الاغنيه السودانيه والشعراء ودورهم في الترويج للسياحه في سودان عازه…السودان مهبط وحي التراث والفلكلور والفنون الشعبيه والآثار والحضاره العريقه إلى ما قبل الميلاد هل من الممكن أن يعود السودان إلى عهده وعصره الزاهر والسودان يستبشر بشريات السلام

الغناء والشعر والقصيد يلعبان دوراً هاماً ومشاركاً في صناعه السياحه بجانب الأمن والسلام الذي أصبح حُلم كل سوداني للبناء وتمنيه الوطن وإستقراره ، في هذا المجال لعبت الاغنيه السودانيه منذ عقود مضت دوراً كبيراً في الترويج للسياحه والجمال والسلام والحب في سودان الزمن الجميل… وتعتبر السياحه مصدر هام من مصادر الدخل القومي لبعض الدول ولذلك تهتم كثير من الدول بالأماكن السياحيه والترويج لها محاوله لزياده أعداد السواح لديها….

إلا أن نصيب السودان وحظه المُتعثر في عدم إستقرار الوضع السياسي خلال الأربعه عقود الماضيه ساهم في سمعه السودان كموطن للنزاعات ، والصراعات ، وضعف البنيه التحتيه من طرق وفنادق لائقه خارج الخرطوم في عدم جعله مقصداً سياحياً مفضلاً….

في سياحه قصيره تناولت غيض من فيض الأغنيه السودانيه بجمالها ورزانتها وعذوبتها في عصر الإزدهار في كل المجالات لم يعرف عنها الجيل الحاضر إلا القليل…..كلما قرأنا و إطلعنا وتزكرنا تلك الحقبه التي عشنا جزؤ منها انتابتنا غصه ودموع منهمره بلا إستئذان

في رحلةٍ سياحيه مع بشريات السلام لعبت دبلوماسيه الفن والشعر والغناء قديماً دور المفاوض الباحث عن السلام في الموائد المستديره، أصبحت زكرى نحن بالرجوع إليها لنبدأ مشوار ورحله الألف ميل وتحقيق الهدف بخطوه

إزدهر السودان في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بثقافه السلام، والأمن والرخاء، مصحوبه بالقيم والأخلاق، وهي مجتمعه تمثل معاول للبناء، وعناصر تحقق التنميه، وأورده، وشراين تضخ في قلب السودان الواحد، بل روح تجري مجرى الدم من الجسد، في ذلك القلب الذي ينبض بالتراث الثقافي، والفن والعادات، والتقاليد السمحه، والموارد والسياحه، وجمال الامكنه، وجمال إنسانها الذي تُرصع دواخله، وأعماقه عواطف جياشه إنسابت إبداعاً، وحباً وغناءاً، وطرباً، وشجاعه أصولها النخوه والكرم والسماحه لوحه تجسد قول الشاعر كيف يكون الحال لو ما كنت سوداني وأهل الحاره ما أهلي

سودان ما بعد السلام

هل يعود السودان أربعه عقود إلى الوراء ايام الزمن الجميل لا يخشى إنسان السودان في حله ، وترحاله من الشمال إلى الجنوب ، ومن الشرق إلى الغرب… لا يخاف الا الله أو الذئب على غنمه أم نسموا في الالفيه الثانيه وما صاحبها من تطور تكنولوجي ، وتعليم ومعرفه نستصحب موروثنا الثقافي الجميل بأدوات العصر التي جعلت من العالم قريه واحده وأن نكون أكثر إيماناً، وإنسجاماً، وتلاحماً بقلوب بيضاء ، وأيادي مُتسامحه، ننبذ الجهويه، والعنصريه ونتأسي بالقيم والأخلاق الحميده، ونستشفَي من داء السياسه وأحزانها ومرارتها….

اليوم نركب قطار السلام والوئام في سياحةٍ جماليه نُضمض جِراحات الماضي من منتجع أركويت و شرقنا الحبيب الذي غناه حيدر بورتسودان في رائعه غنائيه لشاعرٍ مجهول…

عروس البحر يا حوريه.. يا بورتسودان يا حنيه
-- من قلبي التايه في حبك أهدى سلامي وألف تحيه
-- بشوق الفرحه النشوانه.. بأماسي الحب الشرقيه
-- لرقصه رشيقه بجاويه.. لغنوه حزينه سواكنيه
-- لعيون أحبابنا الحلوين.. ليالي الفرحه الورديه
-- قلبي تايه في حبك أهدى سلامي وألف تحيه

هل من زائر لبورتسودان يغمض جفنه ، ويغض طرفه ويتناسي من أن يستلهم تاريخ ، وتراث منطقه سواكن العريقه الساكنه داخل قلوب أهل السودان.. قلوب تستمد نشاطها وحركتها من أمواج ونسائم شواطئ البحر الأحمر… سواكن… غني لها إدريس الأمين كما يسمونه بلبل الشرق في ابيات شعريه طيبه المشاعر رصينه..

-- صب دمعي وأنا قلبي ساكن
-- حار فراقك ناري يا سواكن
-- السكنوك وسط البحور يا سواكن
-- كنتي جنه مليانه حور يا سواكن
-- ليك ماضي مدى الدهور ياسواكن
-- بيهو شعبك ديماً فخور يا سواكن
-- الجبابره الهبت تثور يا سواكن
-- بقياده دقنه الجسور يا سواكن
-- أثارك في كل حين يا سواكن
-- ذكرى دائماً للخالدين يا سواكن

قطار السلام والود موغل في مسيره ضارب يباب الأرض صوب مدينه كسلا مدينه الجمال، والحب دره الشرق لم تُحظى مدينه سودانيه بما حُظيت به مدينه كسلا من إهتمام الشعراء، وتغزُلهم بها مُلهمه الشعراء والفنانين بطبيعتها الخلابة ومناخها المعتدل الشاعر توفيق صالح جبريل….. أنشدها في عبارات جميله وسلسه …

— كسلا أشرقت بها كأس وجدي
— فيه في الحق جنه الاشواق

كسلا هي الحضاره والجمال لأهل السودان.. يكفي أن غناها الشاعر الضخم إسحق الحلنقي….

— اليوم عدت إليك يا كسلا
— وفي مغلتي تعاسه المغترب

هذا بجانب كبار الفنانين من أغاني عذبه أغنيه العملاق كمال ترباس….

— كسلا بدور أصلا…. أزور جبلا….
–أقابل أهلا…. وأضوق عسلا….

هي كسلا عبقريه المكان وجبل توتيل ، والسواقي ، والقاش ، وفراش القاش الذي غناه العندليب الاسمر زيدان إبراهيم في غنائيه ساحره وطرب أصيل…

— مين علمك يا فراش تعبد عيون القاش
— الخضره في الضفه همس النسيم الماش

وما زال قطار السلام في مسيره يودع الشرق في محطته الاخيره يتزود بسمسم القضارف تلك المدينه التي تشكل سودان مصغر بسحناته و أثنياته إنتاجاً ووفره ورخاء وسماحه…. سمسم القضارف غنتها عائشه الفلاتيه في الستينات شكلت بها وجدان الشعب السوداني ما تحتويه الاغنيه من كلمات بسيطه معبره…

-- يا سمسم القضارف
-- الزول صغير ما عارف
-- قليب الريد ، الريد ، الريد

في إستراحه قصيره بعدها أسرع قطار السلام والمحبه مُحركاً عجلاته في إشتياق نحو الجزيره الخضراء في كلمات معبره للشاعر عبدالرحمن الريح صدح بها الفنان محمد مسكين إنها الجزيره ود مدني الجمال الوادعه الحالمه الثائره أرض المحبه…

-- من أرض المحبه ومن قلب الجزيره
-- برسل للمسافر أشواقي الكتيره

الجزيرة أرض المشروع والانتاج والخير و الصالحين والعارفين بالله وأرض العلم والتصوف في مرثيه دفع الله ود فرجون للشيخ الورع الزاهد عبد الباقي بن الشيخ حمد النيل أزرق طيبه بكاه في مرثيه تغني بها الفنان القامه محمد الامين يقول…

-- غراره العبوس دار الكمال ونقاص
-- دوبه حليل أبوي للعلوم دراس
-- تبكيك الجوامع الانبنت دانقيل
-- لقرايه العلم وكلمه التهليل

توقف قطار السلام في تؤده وتمهل في الجزيره الخضراء ، وحنتوب الجميله ، ومدني الحضاره ، والفن ، والثقافه ، والرياضه ، في ترغب حتى يأتلف بقطار الشوق من شمالنا العريق القادم من حلفا نحو عطبره بلد الحديد والنار وما حولها ، دنقلا، الدبه ، ومروي ، البجراويه محركاً عجلاته يجوب محطاته العشره في سرعه أشبه برياح الصحراء وبرق المصِيف محازياً ومجارياً في مساره شواطئ النيل بنخيلها السامق الطويل كطول عرباته الساحره هنا منبع تراث السودان وحضارته العريقه.. حيث ساهمت حضاره كوش ونبته ومروي القديمه بأثارها في الضفه الشرقيه للنيل بالغرب من إهرامات مروي توجد مجموعه من المعابد بها رسوم قديمه للحيوانات ومدن يزينها جبل البركل كمعبد ديني وقدسي في ذلك الزمان …

ولذلك نجد أن سكه الاشواق التي سلكها شعراء الشمال ومنحني النيل كانت مليئه بالزكريات وممزوجه بألام الفراق وأشجان الرحيل… شاعر الروابع السر عثمان الطيب..


-- يايمه يا بحر الموده وكتين يفيض
-- يايمه يا عقد الكلام منضوم قصيد
-- يا يمه يا ومضت أمل زادت وميض

وإليك عزيزي القارئ وانت في قطار السلام هذه القصيده لوحه سودانيه أصيله تعبر عن كل المجتمع السوداني فيها السودان كله ممثل في هذه القصيده وتتمثل فيها القوميه السودانيه..


-- يا بلديه يا حبوب أبو جلابيه وتوب
-- وسروال ومركوب وجبه وسيديري
-- وسيف وسكين يا سمح يا زين

شاعر هذه الاغنيه هو الأديب الشاعر والدبلوماسي الحاردلو… غناء وأداء الفنان الكبير محمد وردي…

-- يا بلدي يا حبوب ابو جلابيه وتوب
-- عشانك بكاك الريح عشانك فؤادي جريح
-- ياوجه مليان غني مليان عشق وحنين
-- يا وجه في الصحراء يا خصله ياقمره
-- ياغابه قمحيه يامزرعه باباي
-- غضبه الهبباي يا نخله مسقيه
-- يا مقطعين دوباي نازلين على الدنيا
اشواق وحنيه
-- يا نيل ونيليه يا مرمى تحت الشمس
-- القيله ضليه يا سحنه نوبيه
-- يا كلمه عربيه يا وشمه زنجيه

قطار السلام ومن داخل عرباته تسمع دندنات وألحان من منبع الوجدان لشاعر التراث والفُصحي كابلي السودان… تغني لمروي…

-- شفت فيك يا مروي كل جديد
-- فيك شفت عيون لعيوني شديد
-- يلا نمشي النيل في أواخر الليل
-- في رمال ونخيل
-- بوبا عليك تقيل
-- القمر بوبا عليك تقيل….

إنطلق قطار السلام من ودمدني بعد تلاقي وإتلاف في شوق ولهفه كتلاقي النيلين يعطران أرض الجزيره الخضراء بنسائم فواحه وفرحه إلى الصعيد حيث سنار والرصيرص… ولايه النيل الأزرق… حيث عُرفت منذ أمد بعيد بأنها منبع التراث الموسيقى والغنائ كما كانت إنها تمثل اول دوله إسلاميه إنبعث منها نور الإسلام إلى أصقاع السودان المختلفه وكانت مهبط لهجرات عربيه متوافده من الجزيره العربيه بعد إنهيار دولتهم وفتوحاتهم في الأندلس….

وأعلنت مملكه في سنار عام 1504 وأستمرت لأكثر من 317 سنه بأثار وموروث ثقافي عظيم أبت نفس الشاعر الأديب محمد عبدالحي إلا ان يجود بذلك الموروث في هذا الزمن الدفين الغابر …. فكانت إحاءاته.. العوده الى سنار… وأجراس القمر.. والسمندل يغني.. وكثير من الأعمال… فكان الشاعر محمد عبد الحي أحد الشعراء الذين صاغوا معرفه جماليه للهويه من خلال مجموعته الشعريه العوده الى سنار…

-- سأعود اليوم إلى سنار حيث الحُلم
-- ينمو تحت ماء اليل اشجارا
-- سأعود اليك يا سنار حيث الرمز خيط
-- من بريق أسودين الصدى والعيون
-- بين الثمر الناضج والجذر القديم

ومازال قطار السلام في أرض النور والسلام إنها سنار… سنار المدينه وتقاطع سنار كما غناها عزالدين مزمل في السبعينات…. الجننونا بالخدار الاغنيه التي إشتهرت (بسميره)
جننونا بالخدار بنيه وين يا ناس السكنوك جنوب الفونج….

-- بنيه يوم قمت من سنار
-- بنيه أنا قلبي ولع نار
-- بنيه يا صندل الليمون
-- بنيه ديل كهارب ولا عيون

كما غني المطرب سبت عثمان لتلك الديار الواعده الحالمه بإنسانها الطروب على أنغام الوازا والربابه….

سبت عثمان وأغنيه (حليمه) التي طبقت شهرتها الآفاق حفظها الكثيرون… وأغنيه (قيسان بلدي) للشاعر التجاني حاج موسى… هكذا السودان وسنار وديار الصعيد كما يسمونها قطار السلام يجوب الرصيرص والصعيد.. حيث كانت تعرف بالدوله السناريه ، ومملكه الفونج والسلطنه الزرقاء ، كأول دوله اسلاميه قامت في السودان بعد إنتشار الإسلام واللغه العربيه..

قطار السلام مودعاً أرض الجزيره الخضراء من شقها الشرقي مبشراً بالسلام والسياحه والتنمية إلى جزيره النيل الابيض حيث (الجزيره أبا) شراره الثوره المهديه ، والدويم حيث معهد بخت الرضى شعاع العلم والمعرفه ومدينه كوستي التي تسبح على مياه النيل الأبيض الفياض إشراقاً وموده وسماحه…

قطار السلام بخيراته الوفيره سلام وموده ومحبه ترحب به كردفان أُم قره أُم خيراً جوه وبره بتراثها وأثارها المقدسه والمتأصله في قلوب السودانين قدير وشيكان ، وكازقيل… هوى كردفان وكيف يُداري والهوى قاتل كما قال شاعر العرب الأصمعي..

مقتول هواك يا كردفان للشاعر عبدالحي عبدالرحمن غناء المطرب الدكتور عبد القادر سالم….

-- أسير غزال فوق القويز
-- كلام غزل معسول لذيذ
-- دمعات عتاب من زولاً عزيز
-- سالت بحر شالت قليب في

السودان بمنظار ماضي الستينات وبصيص أمل الحاضر والمستقبل… سوياً نمتطي ظهر قطار السلام والسياحه… (اب درقات تور الحكومه) كما يسمونه أهلنا الطيبين…

النذير عبد الله صلاح الدين
12 ديسمبر 2020

النذير صلاح الدين مقالات
  • مقالات رأي
Comments (0)
Add Comment