ميثاق ترعاه جامعة بمساندة وزارية لإنهاء خطاب الكراهية
رصد | د.ياسر محمود
أقامت كلية الاعلام بجامعة افريقيا العالمية في الفترة ( 4 – 5 يناير 2023م) بتنظيم مؤتمرها العلمي الأول في قاعة (البروفيسور حسن مكي) بعنوان: خطاب الكراهية في المجتمع السوداني (التحديات والحلول)، تحت شعار (إعلام رسالي راشد). و قد تم تقاسم مهام العمل التنفيذي لجلسات المؤتمر بين اربعة لجان فنية وهي:
لجنة الاعلام ( د. ليلى الضو سليمان) واللجنة العلمية (د. زينب عبدالرحمن ازرق،) ولجنة السكرتارية (د.عبد الرحمن محمد ابراهيم) ولجنة الخدمات (استاذ/ كمال محمد الخير مسجل الكلية) لتحقيق اهداف المؤتمر واهمها الكشف عن العوامل المؤدية لخطاب الكراهية في المجتمع السوداني والتعرف علي تأثيرات الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة لمعرفة كيفية مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.
شرف الجلسة الافتتاحية للمؤتمر وزير التنمية الاجتماعية الاتحادي محمد آدم بخيت ونائب مدير الجامعة للشؤون العلمية والثقافية وعميد كلية الاعلام وعدد من قادة الدولة والأجهزة الاستراتيجية وقيادات الإدارات الاهلية بالسودان
كما تابع جلسات المؤتمر العلمية عدد من طلبة الجامعات و المهتمين بقضايا المجتمع، وبعض الاعلاميين المرموقين من بينهم الاستاذ علي شمو ود.عبداللطيف البوني.
وفي ختام الجلسة الافتتاحية قامت الجامعة بتكريم العمداء السابقين لكلية الاعلام وهم: البروفيسور موسي طه تاي الله والبروفيسور بدر الدين احمد ابراهيم والدكتور الخضر هارون والهرم الإعلامي علي شمو والأستاذ معتصم كنون.
وكان من ابرز المشاركين ممثلين من ادارات القطاع العام وبعض منظمات المجتمع المدني حيث قدمت 22 ورقة علمية تم تحكيمها بواسطة 10 محكمين علميين وناقشها وعقب عليها 15 اختصاصيا عبر 4 فرق عمل علمية،
اضافة الى ناشطين اجتماعيين و رواد اعمال من بينهم رواد اعمال مؤسسة البصائر للتنمية تناولوا هذه المشكلة المجتمعية من عدة محاور هي: إعلامية، قانونية، سياسية، تربوية، اجتماعية، وتاصيلية.
واليكم تقريرا مختصرا بأهم مخرجات هذا المؤتمر الحيوي:
(اولا) المهنيون والحرفيون، اختلاف تكامل ام ادارة تنوع؟ من ابرز الاوراق التي تم عرضها ورقة بعنوان “رؤية مهنية لمناهضة خطاب الكراهية: الراهن والمستقبل” قدمها المهندس د. محمد أحمد حسن عبدالله الاستاذ المتعاون بجامعة المناقل، حيث عرض فكرة الحل الجذري عبر مجموعات المجتمع مهنيا وحرفيا، وكونه ينتمي لفئة من المهنيين (المهندسين) تناول حل مشكلة خطاب الكراهية والتعصب من ناحية اختصاصية مهنية في جانبين رئيسيين وهما:
(1) بالنظر الى فئات المجتمع السوداني المتنوعة والايمان القوي بأن مراعاة التقسيم الحرفي والمهني في حل هذه المشكلة من جذورها يجعل المجتمع يساهم بشكل مباشر في ان يكون جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة، فالاختلاف هنا اختلاف تكامل وتنوع وتجانس ومساندة وليس اختلاف تشتت واضداد،
(2) ان نعزز من دور المتخصصين في حل المشاكل المجتمعية (بمعنى اعطاء الخبز لخبازه)، فمثلا علماء النفس والتربية والاجتماع لهم دورهم كواجب مهني احترافي وكذلك الاطباء والاعلاميين،
(3) وكونه احد خريجي الصين فقد لاحظ الباحث اهمية دور التربية في العلاقات الاجتماعية منذ الصغر فنشأة الطفل في بيئة اسرية تكون سليمة حيث الجد والجدة بجانب الوالدين والابناء، يرحم الكبير فيها الصغير ويوقر الصغير الكبير، وهكذا.
(ثانيا) ماهية الادوار المنتظرة بشراكة الاعلام والعلاقات العامة وريادة الاعمال؟ الى جانب ورقتها العلمية بعنوان “اتجاهات الجمهور نحو خطاب الكراهية في المجتمع السوداني دراسة استطلاعية”،
قامت الدكتورة آمال فضل مختار نائب مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام والمراسم بتقديم مذكرة لعميد كلية الإعلام بجامعة افريقيا العالمية تحتوي علي مقترح لشراكة ذكية في الاعلام والعلاقات العامة وريادة الاعمال مع مؤسسات مثل البصائر للتنمية العالمية التي بادرت بتقديم ورقة علمية،
حيث تستطيع الجامعة والوزارة من خلالها المساهمة العملية في حل قضايا المجتمع السوداني قائمة على فكرة مستدامة بعلمية “جامعة عالمية” ومهنية “علاقات عامة” ومساندة “ريادة اعمال” ومن ورائها تنشأ بطبيعة الحال حاضنات مجتمعية قوية تسعى لها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني ذات الصلة على السواء،
لتقف بمبدأ “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول” أمام تحديدات “مشكلة خطاب الكراهية والتعصب” ومهدداتها الخطيرة فتضع حلول “البيان بالعمل الصالح” وتقدم “القدوة الحسنة” امام الجميع بشفافية و على نار هادئة.
وقد استلم المذكرة المقترحة د. بدرالدين ادريس يونس، عميد كلية الاعلام بجامعة افريقيا العالمية رئيس اللجنة العليا المناوب للمؤتمر العلمي الأول، مبديا عظيم تقديره للفكرة وواعدا بالسعي الجاد الحثيث لدعمها كواحدة من مخرجات المؤتمر العملية استشعاراً بالواجب المجتمعي الكبير وتحقيقاً لتكامل المسؤوليات المنورة بها مؤسسات التعليم العالي وإدارات الدولة.
عليه، من المنظور ان تكون هذه خطوة عملية لابد منها، وفرض كفاية لاستثمار فرصة مشتركة للطرق على حديد مشاكل المجتمع وهو حامي، وكذلك لوضع شعار المؤتمر “إعلام رسالي راشد” موضع التنفيذ الفعلي.
كما تم تقديم ومناقشة أوراق متنوعة حول التدابير والسياسات الوطنية والقوانين والتشريعات الدولية والخطاب الديني ودور وسائل الإعلام واعلان ميثاق عام لمناهضة خطاب الكراهية والتعصب، وفي ختام المؤتمر وقع المشاركون على الميثاق وتم إطلاق صفحة فيسبوك كمنصة للاستمرار في مناهضة خطاب الكراهية:
https://m.facebook.com/100087673820736/
(ثالثا): كيفية وحدة الهدف في وحدة الفعل؟
هكذا تؤكد وزارة الثقافة والاعلام والسياحة عبر ادارة العلاقات العامة والإعلام والمراسم “وحدة الهدف الذي يوحد المجتمع ولايفرقه” وبالتالي إنتاج قدوة مستدامة يصعب ان تنجح إلا بالقدوة الحسنة، قدوة تتصدى بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة لتستهدف حل مشكلة ظلت تتنامى أمام الجميع في زحمة الحياة بشكل مخيف يدعو للقلق والأرق.
(رابعا): تكاتف القطاع العام والخاص، ضروري ام اختياري؟إن “خطاب الكراهية” ليست كما المشاكل اليومية الروتينية، بل إنها أعظم ابتلاء عصري حديث يقف أمامنا بمختلف فئاتنا ومستوياتنا افرادا وجماعات، يواجه عامة الناس ولا يستثنى المستنيرين المتعلمين في السودان وخارجه، الكل فيه سواءً بسواء، فماذا نحن فاعلون؟
وُلد “خطاب الكراهية” طفلاً ونشأ بيننا حتى أصبح شاباً يتغذى ليلاً بل نهاراً وجهاراً، فلابد ان تستمر المبادرات الفردية والمجتمعية المهنية والفئوية للتصدي له، وهذا هو جوهر “الشراكة الذكية”.
(خامسا) : المسؤولية مابين مطرقة التفاؤل وسندان التواكل؟
اوردت احدى اوراق المؤتمر ان الأغلبية (84.1%) أجابت بــأنه (توجد مشكلة حقيقية وكل أسباب التعصب الفكري والسياسي والجهوي المذكورة صحيحة وهناك أسباب أخرى)، كما تؤمن بالتدابير المطروحة من أجل مكافحة خطاب الكراهية،
وأن هنالك (54.3%) من الفئات المهنية المختلفة لازالوا يؤمنون بجدوى الحلول الجذرية لمشكلة خطاب الكراهية والتعصب و(44.2%) يرون أن يتم ذلك بإسناد الأمر للقطاعات المهنية (مهندسين، أطباء، اعلاميين، علاقات عامة، الخ.) بمعزل عن بعضها البعض ثم بتنسيق الجهود لاحقاً كمرحلة ختامية.
ومن التوصيات التي أكدها نسبة مقدرة من الجمهور المستهدف (داخل وخارج السودان) هي الآتي:
(1) أنه لابد من وجود خطة استراتيجية لتسويق إجتماعي إعلامي ممنهج، خطة يشارك فيها خبراء الاجتماع والتقنية وعلماء الشرع والقانون وممثلين للفئات المهنية والإعلاميين، يتساندون لبث برامج توعوية وارشادية عبر الإعلام التقليدي والعصري الموجه لتعزيز السلوك المجتمعي الحميد المتوارث والممارسات الفردية الإيجابية؛
(2) اضافة إلى توعية الجمهور بمخاطر تنامي خطاب الكراهية والتعصب المهدد لوجود المجتمع وغرس التربية المجتمعية بين الكبار والصغار على السواء؛
(3) كذلك لابد من تبصرة مجتمعية في الرقابة بتنفيذ آلية عامة لإجراءات الرقابة المجتمعية بتفعيل القوانين اللازمة،
(4) تبصرة مجتمعية موازية بتوجيه استخدام التقنيات الحديثة بواسطة كوادر بشرية مؤهلة وتصنيف فئوي (على أساس المهنة)؛
(5) استحداث جرعات تعزيزية أكبر للمسؤولية الاجتماعية بين كافة قطاعات المجتمع و فئاته، ورفع مستوى الطاقات الإيجابية.
كما يرى الباحثون تلخيصاً لخارطة طريق للحل العملي المبني على الوضع الراهن لأزمة خطاب الكراهية والمتطلع نحو المستقبل فيما قلّ ودلّ من (5 تاءات + 2) وهي: (ترغيب، ترهيب، تحديات، تخطيط وتركيز)،
فالمشكلة المهددة للمجتمع تتأرجح مابين تاء التفاؤل للحل الجذري وهو المطلوب وتاء التواكل بخلو المسؤولية مما يعني التخاذل فالخسران المبين !
(سادسا) ميثاق مناهضة خطاب الكراهية والتعصب: واجب وطني ام عمل طوعي؟ اقر المشاركون في المؤتمر العلمي الاول لجامعة افريقيا العالمية (٤ – ٥ يناير ٢٠٢٣م) ميثاقا لمناهضة خطاب الكراهية اكدوا فيه التزامهم بالاخلاص في العمل لحل المشكلة وجعله نبراسا يهتدي به الجميع حتى انهاء كابوس هذه الازمة المجتمعية،
وحتى يحدد المواطن الصالح موقفه تجاه الميثاق، فقد رأينا نشر قواعد الميثاق العشرة وهي كما يلي:
(١) أهمية تحديد إطار مفهوم لخطاب الكراهية، حيث وضع تعريفا له ضمن جرائم المعلوماتية، على أنه: “أي خطاب يعمل على بث الكراهية والتحريض على النزاعات والصراعات المبنية على أساس الجنس، أو العرق او الانتماء الاثني، أو اللغة أو أو اللون أو النسب، أو الأصل القومي أو الحالة الصحية، وجميع أشكال التمييز، أو تلك التي تنطوي قصدًا على الازدراء أو الإهانة أو إشاعة البغض، أوالتهديد بالعنف الموجه إلى شخص أو مجموعة أشخاص في الخطاب العام وفي وسائل التواصل الاجتماعي”.
(٢) في اطار العولمة وانتشار علوم الرقمنة وتطبيقاتها، استوجب تعزيزاً أكبر ومسؤولية اجتماعية فردية وجماعية تجاه كافة أصحاب خطاب الكراهية والتعصب.
(٣) مراعاة الارتباط الوثيق بين السلطة وصاحب الخطاب، والقدرة على تحويل الاقوال إلى أفعال وعلى ذلك فإن خطاب العلماء والزعماء والقادة أشد خطرا وأثرا إيجابا أو سلبا.
(٤) مع الانتشار السريع لخطاب الكراهية يصبح المجتمع أكثر انقسامًا وأكثر خطورة، وأكثر افتقادًا للاستقرار.
(٥) تهيئ الثورات والأزمات بيئة خصبة فيلجأ البعض لخطاب الكراهية بسبب الانتماءات الضيقة والتعصب المفرط بكل انواعه وسط جلبة الأحداث،
(٦) يتعين على الجميع البحث عن سبل لمواجهة الظاهرة باتفاق شامل بين مختلف المذاهب والطوائف والفئات بإرساء رؤية موحدة والعمل المشترك الذي يصب كله في نفس الهدف.
(٧) الاهتمام بكل من طرفي الخطاب؛ “منشئ الخطاب” و”السمَّاعين له”، من حيث التوعية الثقافية وتعزيز الأخلاق الفاضلة لتكون ترياقًا لشرور خطاب الكراهية.
(٨) ألا تكون مناهضة خطاب الكراهية ذريعة لتقييد حرية التعبير أو المساس بها، والتوقف عند حدود مناهضة الخطاب المحظور قانونًا وشرعا.
(٩) اتخاذ أفضل الاساليب الفنية والتقنية التي تتيحها وسائل الاتصال الحديثة وتوظيفها في نشر قيم التسامح والاحترام المتبادل.
(١٠) العمل على مناهضة خطاب الكراهية في المجتمع واحتوائه والحد منه بمعالجة الاسباب ونشر قيم المحبة والتسامح، بما يجعل خطاب الكراهية هو الاستثناء وليس الاصل.
(ختاما) ألا يستحق هذا “المؤتمر العلمي الأول” بتنظيم جامعة افريقيا العالمية كإحدى مؤسسات التعليم العالي بالسودان أن ينال شرف تكوين نواة لحل علمي جذري لمشكلة تهدد كيان المجتمع،
فماذا نحن فاعلون؟ نتساءل قبل أن نُسأل ويسألنا الآخرون، وقد حان الوقت لنضع إيادينا جميعا، مجتمع سوداني واعي ضد (لامبالاة – التواكل) و(لامسؤولية – التشاؤم)،
فالجميع مسؤول، قطاع عام وخاص ومعنا كل ناشطي المجتمع الساعين من أجل إدراك سلامة مجتمعنا السوداني من التفكك والانهيار قبل فوات الأوان،
وان نسينا فلاننسى ان الاغلبية منهمكون في تفاصيل الحياة اليومية الروتينية لكنهم قطعا فيهم الخير بل انهم اذكياء ينتظرون ضربة بداية جادة و ذكية لا تتوقف فيساندونها قولا وفعلا حتى النهاية.
كل المبادرات السابقة تجعلنا متفائلين بالخيّرين “أهل الحارة والفزعة” دون كلل او ملل لبلوغ صحة المجتمع وعافيته وتحقيق التعايش السلمي بين مختلف فئاته وتوجهاته حتى بلوغ أولى عتبات التنمية المستدامة للفرد والاسرة والمجتمع، وما ذلك على الله بعسير ان اخلصنا العمل والنوايا، نعم المولى ونعم النصير.