حوار مع الحمقى .. “ذُباب” الخيل .. يزعجها ولا يوقفها عن المسير

حوار مع الحمقى (12)
سيف الدولة أحمد خليل

▪️ذباب الخيل يزعجها ولا يوقفها عن المسير

كما اسلفت في مقالي السابق ان قبولي بالحل السياسي كان امرا ليس منه بد، فالسياسة ليست امرا رومانسيا بل هي اعمال العقل والقراءة النصيحة للواقع، وهي تقوم على قاعدة” ما لا يدرك كله لا يترك جله” أي انها فن الممكن.

وبما انني صاحب مراس في السياسة امتد لعقود عديدة، ومولع بالتاريخ الذي لا غناء لسياسي عنه، ارهقت نفسي في طرح الاسئلة التي تفكك الكثير من المفهومات.


¤ كنت اسائل نفسي اذا رفضت الحل السياسي فما هو الحل المقترح او المتخيل؟ وجدت ان الثورات السلمية عادة ما تتقاصر عن تحقيق النصر الحاسم وبلوغ كل اهدافها، لا سيما في بلد كالسودان، ليس له جيش وطني وانما مؤسسة سياسية مسلحة ومؤدلجة تتبع لتنظيم سياسي، فكره لا يؤمن بالديمقراطية ولا العدالة ولا السلام ولا التنمية.

جيش بلادنا غير وطني ومؤدلج، كما توجد ثماني جيوش ومليشيات مما يعني طغوان العسكر على المشهد السياسي، والعسكر بطبيعة الحال غير متصالحين مع دعاوى الديمقراطية والحرية.

¤ وجدت ان اللجنة الامنية، التي تقود المشهد العسكري، الجيش والدعم السريع والمؤسسات الامنية والشرطية اصالة والمليشيات تحالفا، ليس لها اي افق وطني او اخلاقي، وليس لها مصلحة تجعلها تقبل بانتصار حاسم للثورة او تسلم الحكم للثوار عن طيب خاطر.

¤ وقفت ايضا على ان الثورة المضادة ذات شوكة تنظيمية وجماهيرية وعسكرية ومالية وتكتيكية تعمل فوق وسعها لايقاف اي نصر حاسم للثورة.

¤ كما أن هنالك تداخل اقليمي مؤثر للغاية على مجريات الامور داخل السودان، اذ ان اللاعب الأقليمي قادر على العبث بإعدادات الجميع، خاصة على الجانب العسكري.

¤ نظرت الي ميزان القوة فوجدته يميل بوضوح لصالح العسكر بما احتازوا من قوة مادية ومالية وميزة انهم اصحاب الفعل والمبادرة بحكم انهم على سدة الحكم، ويزيد من قوتهم ان تماهت مصالح الثورة المضادة مع وجودهم كحكام وأن الحركات المسلحة وغير قليل من الحركات السياسية المدنية ظلت لهم ظهيرا، فضلا عن اتقانهم لتكتيكات البقاء.

¤ في الجانب الآخر رغم ادعاءاتنا ورغم حدوث ثورة، الا ان هذه الثورة لم تتجاوز حقيقة انها ثورة مدينية انحصرت في قطاعات الشباب والمتعلمين ولم تبلغ ان تكون شأنا شعبيا يسهم في نشوء كتلة حرجة حاسمة، فمعظم اهل المصلحة الحقيقيين لا زالوا في مقاعد المشجعين والنظارة.

¤ ونظرت الي الجانبين، فرأيت ان التماسك والوحدة دائما هي سمة معسكر الانقلابيين بينما سمة معسكر الثورة التشتت والانقسام والتناحر.


¤ تساءلت كثيرا عن ماهية عظمة النزاع بين الانقلابيين ومعسكر الثورة، فوجدت ان عظمة النزاع هي السلطة. وبما انها في يد العسكر، فلا بد من هزيمتهم عنوة واقتدارا واخذها منهم غلابا او ان يفاوضوا على تسليمها.


¤ لنأخذها غلابا، على ثورتنا ان تكون شاملة تستصحب كل فئات الشعب وان يحدث العصيان المدني والاضراب السياسي الذي يدفع الانقلابيين الي الاقرار بالهزيمة والاقتناع بتسليم السلطة للثوار ، وهذا احتمال بعيد الحدوث وفق ما نرى من معطيات، أو ان ينقلب الجيش كمؤسسة على من هم في سدة الحكم وينحاز للثورة وهذا في مصاف العنقاء والخل الوفي، أو ان نحمل السلاح لنهزم الانقلابين وشفعائهم من جيش ومليشيات وفلول، عدا ذلك ليس امامنا سوى ان نكون واقعيين ونتعاطى مع الازمة سياسيا انتهاء لحل سياسي ينهي ازمة النزاع على السلطة.


¤ نعم هنالك ثورات سلمية حققت اهدافها ضربة لازب، الا ان ذلك ما يجري عليه حكم الشاذ الذي لا يعتد به ولا يؤخذ حُكما او قاعدة فالعهد بالثورات السلمية ان يكون نجاحها قرينا بانحياز المؤسسة العسكرية والامنية للثورة او ان تنتهي الي حل سياسي او تسوية، وبما ان ثورتنا ثورة سلمية فهي ليست بدعا منها.


¤ وحتى لا نبسل على العهون، نشير الي ثورات يعرفها الجميع دلالة على صحة ما ذهبنا اليه.

ففي ثورة السلفادور استطاعت “ثورة الطلبة” إسقاط الدكتاتور مارتينيز سلميا، لتنحاز الآلة العسكرية والامنية للثورة ويتم التفاوض مع الديكتاتور على الرحيل وتعيين حاكم مؤقت ثم بعدها اجراء انتخابات رئاسية ديمقراطية.


وفي الفلبين استطاعت كرزونا اكينو الإطاحة بالدكتاتور ماركوس عبر ثورة سلمية 1983- 1985 ليضطر الديكتاتور للهروب إلى القاعدة العسكرية الأمريكية بعد أن تمرد الجيش وقوات مكافحة الشغب على تنفيذ أوامره لتنتصر الثورة وتنصب السيدة اكينو زعيمة للبلاد.


وفي “الثورة المخملية” ١٩٨٩ في الشيك، تم التفاوض مع السلطة الشيوعية لتشكيل حكومة غير شيوعية،استقالة رئيس البلاد هوساك وانتخاب أول رئيس غير شيوعي ، وتحوُّل تشيكوسلوفاكيا من نظام الحزب الواحد إلى الديمقراطية، وخصخصة الشركات، وتعديل السياسة الخارجية، وصياغة دستور جديد.

وفي عام 1990 في شيلي، تم التفاوض مع بينوشيه لتسليم السلطة لرئيس منتخب، مقابل ان يكون قائدا للجيش وعضوا في مجلس الشيوخ مدى الحياة !!


وفي صربيا 2000 في الثورة التي عرفت ب “اوتبور مساء الخير صربيا الحرة” او “ثورة البلدوزر”، جرى التفاوض مع الديكتاتور ميلوسيفيتش لينسحب من الدورة الثانية شرط ان يكمل ولايته حتى يونيو 2001، وتم رفض هذا العرض من المعارضة لينتهي التفاوض معه الي تقديم استقالته في اكتوبر 2000 وان يعترف برئاسة كوستونيتشا للبلاد.


وفي الثورة : الوردية” او “ثورة الزهور” او ثورة “كمارا”، في جورجيا 2003 والتي اطاحت بالديكتاتور شيفرنازدة، الذي اعلن حالة الطوارئ تمهيدا لقمع الثورة، الا ان العنصر الحاسم كان في رفض كبار قادة الجيش خوض مغامرة المواجهة مع الشعب وهو ما شكل ضغطا هائلا على شيفرنادزه الذي استعان بروسيا ليقود ذلك الي مفاوضات وصولا لاتفاق قضى بتنحيته يوم 23 نوفمبر 2003.


ومحليا نجد ان ثورتي اكتوبر 1964 وابريل 1985 لم تخرجان عن السنياريوهات التي انتهت عليها الثورات التي اشرنا اليها


¤ غير هذا وذاك، فان غالب الثورات بعيدا عن ترهات الايديولوجيا، هي ثورات تقوم بها او تقف وراءها الطبقة المتوسطة فهي الطبقة الأكثر تأهيلا من حيث التعليم ومن حيث الوعي بالازمة ورغبتها الدائمة في تغيير اوضاعها الاجتماعية، وثورات الطبقة المتوسطة دائما ما تحدث تحولات نوعية وكبرى في حياة المجتمعات، ولكن بطريقة هادئة وتدريجية، اذ انها ثورات تتسم بالعقلانية الواقعية، ولنا أن نطلق على نمط الثورة التي تنجزها الطبقة المتوسطة، الثورة من الوسط أو الثورة العاقلة.

وبناء على ما نزعم فإن ثورتنا مهما تنطع المتنطعون ومهما حاول البعض اغراقها في ترهات الايديولوجيا هي ثورة وسط تتسم بالعقل والعقلانية ولا بد لها ان تنتهي الي حل سياسي.


¤ مُدَّعو الجذرية ومن يماعضون الحل السياسي في الجانب الآخر، لا يملكون خطة ولا آلية لإنجاز ثورتهم الجذرية او ان يقدموا حلا بديلا، فهم لا يتحسبون لقوة العسكر وتشبثهم بالسلطة ولا يتحسبون للادوار التي تقوم بها الثورة المضادة ولا يعتبرون وجود مليشيات مسلحة، فضلا عن انهم لا يملكون تكتيكات مختلفة في المقاومة، وليس لديهم تصور للحظة الحاسمة في عمر الثورة او لديهم تحديد آلية لتسليم السلطة او لمن تسلم السلطة ومن الذي يسلمها.


فيا ترى هل سيفلح ما تبقى من لجان المقاومة او الحزب العجوز في تحقيق جذريتهم بالهتاف؟ وهل في مقدور هلام يعوزه التأهيل السياسي ويفتقر الي دستور موحد او ميثاق موحد ان يحقق احلام الحزب العجوز واوهامه؟


¤ هنالك من لا يرفضون الحل السياسي مبدءا، ولكنهم يرفضون ان يكون مع البرهان وحميدتي او اي من اطراف اللجنة الامنية !!
الا يعني الحل السياسي في حالتنا هذه تعاطيا ما بين من بيدهم السلطة ومن ينازعونهم عليها؟ اليست السلطة بيد البرهان وحميدتي ولجنتهما ومن ينازعهم عليها هي قوى الحرية والتغيير؟ فمع من يريدنا هؤلاء ان نتعاطى؟ وكيف يقترحون علينا طرفا لا يعرفونه ولا نعرفه؟ وهو طرف ان وجد، ليس له شأن بعظمة النزاع ففيم نتعاطى معه وماذا بامكانه ان يمنحنا؟

هؤلاء ينسون ان برهان وحميدتي لا يمثلان الجيش حقيقة وربما كانوا افضل ممن يليهم في التراتبية صاحبة الانتماء المفضوح للنظام البائد، كما ان الجيش بحالته التي نعلم، ليس هو ذلك الجيش الوطني الذي يمكن ان ينحاز لثورة الشعب او ان يقبل توجهات المدنيين السياسية، وهو اضعف من ان يقف في وجه البرهان وحليفه حميدتي المسنود بقوة الدعم السريع، فليس في مقدور الجيش ان يبعدهما وينتدب غيرهما للتعاطي مع الثوار والساسة لانجاز الحل السياسي.


¤ هنالك من يرفضون استصحاب الحركات المسلحة في الحل السياسي ويطالبون بالغاء اتفاقية جوبا، هؤلاء ينسون ان الحركات المسلحة رغم سوئها وانتهازيتها الا انها مفردة حتمية في مشهدنا السياسي في مرحلة الانتقال، فلو اننا اخرجنا الحركات المسلحة من الحل السياسي، لا نتوقع انها ستلملم اطرافها وتخرج بهدوء من العاصمة، هؤلاء لم يسمح لهم حمقهم لتصور ما يمكن ان تفعل الحركات رغم ضعفها وهوانها.


¤ آخرون يرفضون الدعم السريع ان يكون طرفا في الحل السياسي من اي موقع كان، وبكل حمق يصفونه بالمليشيا القبلية، بل يطلقون عليه العبارة التهجينية ” الجنحويد”.

ربما اتفق معهم في كل ما يمكن ان يقولونه عن الدعم السريع وما يمكن ان يوصمونه به من سوء.

لكن لن انسى او اتناسى ان الدعم السريع لم يعد مجرد مليشيا !! الدعم السريع عندي ليس مليشيا وليس جيشا نظاميا، بل هو بين منزلتين وهو الي الجيش ادخل.

فليست هنالك مليشيا لها قانون يضبط تراتبيتها ومأسستها ومهامها ومخصصاتها، وليس هنالك مليشيا تجاوز عددها مائة الف وبها كل الوحدات العسكرية ما عدا الطيران.

بل ان الامر في شأن الدعم السريع يتجاوز الحمق الي الغباء حين ينادي هؤلاء بحله، هل يعلم هؤلاء الحمقى في تاريخ الانسانية عن جيش بكامل عتاده وعدته تم حله بقرار سياسي؟

¤ للذين يقبلون التسوية شريطة محاكمة البرهان وحميدتي؟
لو ادخلنا الامر في اطاره القانوني هل الحرية والتغيير هي صاحبة حق في التنازل عن اي حق؟ وهل هي صاحبة حق في التقاضي نيابة عن اهل الحق الاصليين؟
الحرية والتغيير او أي جهة سياسية ليست صاحبة حق في التنازل كما انها ليست صاحبة حق في التمسك بمحاكمة هؤلاء؟


غير هذا وذاك ان الحق لا يسقط، ولا ثمة شئ يمنع اصحاب الحق من المتضررين جنائيا واولياء دم الذين استشهدوا من أخذ حقهم. والأهم ان نتساءل مليا من يقيم العدل ليأخذ الحق لأصحابه؟ يفوت على هؤلاء الحمقى ما لحق مؤسساتنا العدلية والشرطية من تجريف وتخريب وتسييس وافساد، ويفوت عليهم ان الحل السياسي هو السبيل الاوحد للاصلاح العدلي وضمان العدالة لطالبيها.

فالحل السياسي الذي تقترحه الوثيقة الاطارية يمهد لنقل السلطة الي قوى مدنية تؤمن بالعدالة وتسعى اليها، فهي الاقدر على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية، وهي الجهة التي يرجى منها التأسيس لمنظومة عدلية حكومية او تقليدية لتحقيق العدالة التي تؤسس للتسامح والمعافاة الاجتماعية، وقبل كل هذا هي الجهة التي تملك تصورا واضحاََ لما تريد وتبتغي.


¤ آخر المقال ان الحل السياسي ماض ولن ينكص عنه أحد من أطرافه، وفيه تحقيق لاهداف الثورة ولأشواق اصحاب المصلحة الحقيقيين، اولئك الصامتون الذين لا يخرجون الي الشوارع، ويقينا ان انفاذ ما اتفق عليه سيثبط من الثائرية الرعناء وسيبقى اصحاب الاجندات والترهات الايديولجية “ذبابة خيل تزعج الخيل ولا تعيقها عن المسير”.

أبعادأبعاد ابعاد قابل للكسر صحف أخبارعلى مسئولية كاتبه من الاسافير
  • مقالات رأي
  • من الأسافير
Comments (0)
Add Comment