أبرز العناوين

أحداث النيل الأزرق : جريمة ضد الإنسانية، يجب أن لا يفلت العقل المدبّر لها من العقاب!.

42

أحداث النيل الأزرق : جريمة ضد الإنسانية، يجب أن لا يفلت العقل المدبّر لها من العقاب !!.

فيصل الباقر
مدار أوّل:
” والحربُ يبعثُها القويُّ تجبُّراً … وينوءُ تحت بلائِها الضُعفاءُ ” (أحمد شوقي)


-1-
وأخيراً، بل، أخيراً جدّاً، جاء فى الأخبار أنّ النائب العام، خليفة أحمد، شكّل لجنة للتحقيق والتحرّي فى الأحداث الدامية بإقليم النيل الأزرق !. وبحسب تعميم – مُقتضب – صادر من إعلام النيابة العامة، يقول: “جري تشكيل لجنة التحقيق برئاسة رئيس نيابة عامّة، وعضوية الأجهزة النظامية، من الجيش والشرطة وجهاز المخابرات والدعم السريع”. ويمضي الخبر مُتثائباً، ليقول:”تختص اللجنة بالتحقيق والتحرّي فى الأحداث التي وقعت بإقليم النيل الأزرق، وأدّت إلى مقتل وجرح عدد من المواطنين واتلاف الممتلكات” ! … إنتهي الخبر


-2-
يعلم الجميع، كما يعلم – بالضرورة – سيادة، وسعادة النائب العام، وقادة الدولة السودانية، فى “مجلس السيادة الإنقلابي”، و”حكومة” (تصريف أعمال) إنقلاب 4 يوليو2022، أنّ أحداث النيل الأزرق المؤسفة والمؤلمة، لم “تندلع” كحدث عابر، أثناء، أو بعد (مُشاجرة) حدثت بين لاعِبين، أو ثلاثة، فى مباراة وديّة – بملعب – كُرة قدم، أو بسبب احتساب حكم المباراة لـ(ضربة جزاء)، يري اللاعبون و/ أو الجمهور، وحتّي (الحكم الرابع)، أنّها ليست صحيحة، لِيُحكم عليها ضمن ما يُسمّي بـ(عُنف) أو (شغب) الملاعب الرياضية، فيُشكِّل لها، اتحاد كرة القدم المحلّي، أو الوطني، (لجنة تحقيق)، يكون من بين – أهمّ – نتائجها، وتوصياتها، “تأمين” الملاعب الرياضية، وتدريب، أو زيادة الجرعات التدريبية لشرطة الملاعب، و/ أو تمتين وتعزيز الإجراءات الوقائية، ورفع حس الجمهور الرياضي، وتنويره بأهمية الالتزام بالأخلاق الكروية، والمباديء الأولمبية !.


-3-
ومن المعلوم – بحكم التجربة والخبرات المتراكمة – أنّ أحداث عُنف وشغب الملاعب الرياضية، تنتهي فى أفضل حالاتها بالقبض على بعض الأفراد من المشجّعين، ليحكُم عليهم القضاء الطبيعي – غالباً – بالغرامة المالية، وفق القانون الجنائي العادي، بتهمة الإزعاج العام، أو إثارة الشغب والفوضي، أو بالسجن، أو بالعقوبتين معاً !. وهذا، ما شاهدناه، وقرأنا عنه – مع جمهور الرياضة العريض – فى معظم السوابق القضائية، فى قضايا الشغب الرياضي، فى مختلف البلدان !.


-4-
عادةً، لا ترقي أحداث عنف الملاعب الرياضية، لتصل حتّي لمقام، تلك النزاعات الرياضية، التي تحكم فيها محكمة “الفيفا” عبر ((محكمة التحكيم الرياضية الدولية))، المُنشاة فى العام 1984، وهي – لمن لا يعلم – آليّة قانونية، “شبه قضائية”، لحل النزاعات الرياضيّة، متخصصة فى تسوية النزاعات المتعلقة بالرياضة، صادقت اللجنة الأولمبية الدولية على قانوها الأساسي الذي دخل حيز التنفيذ والعمل به، فى 30 يونيو 1984، وصار من بين اختصاصها منذ العام 2016، البت فى قضايا مكافحة “المُنشّطات” خلال الألعاب الأولمبية، بدلاً عن (لجنة الانضباط) التابعة للجنة الدولية الأولمبية. أوردنا كل هذا، وذاك – وباسهاب – لنؤكّد أنّ أحداث النيل الأزرق، ليست قضية شغب رياضي، من الذي يحدث فى ملاعب كرة القدم، كما أنّها ليست مجرّد نزاع رياضي، يمكن الدفع به للتحكيم الرياضي الدولي، بحثاً عن تحكيم يقود إلى تسوية ترضي الأطراف المتنازعة !.


-5-
كما يُدرك الجميع، وسعادة النائب العام، أنّ أحداث النيل الازرق، لم تكن نتيجة، لمجرّد نزاع عابر، من النزاعات المتعارف عليها، والتي تنشأ – عادة – بين مزارع وراعي، دخلت، أو “اقتحمت” بهائم الثاني، مزرعة الأوّل – صدفةً أو عن قصد – فقضت على كلّ، أو بعض زرعه، فدخل الشيطان بينهما، فى لحظة غضبٍ عدوانيٍ، فتشاجرا، تنابزاً باللسان، ثُمّ تعاركا باليدين، إلى أن تطوّرت “الشكلة” إلى معركة، ونزاع عنيف، آثر الطرفان فيه اللجوء لمنطق القوّة والعنف، بدلاً من تغليب العقل والحكمة، بالاحتكام للقانون، بنقل النزاع، لمضابط الشرطة، ليُحسم فى ردهات القضاء، أو حتّي اللجوء للتقاليد المجتمعيّة المرعية، فى الفصل فى هكذا نزاعات، تحدُث بين الرعاة والمزارعين، فى مواسم (المراحيل)، وما أدراك ما المراحيل، والتي تُعقد لها مؤتمرات صُلح، توصِي بفتح المسارات والمراحيل، وتامين المواسم الزراعية، وتنظيم حركة الرُحّل، وتفعيل قانون المراعي، لضمان استقرار الانتاج الزراعي والحيواني، وكفي الله المزارعين والرعاة – والمجتمع بأكمله – والناس أجمعين، شر استدامة القتال !.


-6-
الواقع العُنفي والمُعنِّف والعنيف، المُعاش فى النيل الأزرق – كما ثبت بالأدلّة، من كل الشواهد، والبيّنات الموثّقة – يؤكّد أنّ تلك الأحداث الوحشية والمأساويّة، والتي تمظهرت فى شكل اقتتال قبلي، وحالة من حالات الانفلات الأمني، “انفجرت” – فى حقيقة الأمر – كنتيجة حتميّة، وطبيعية، للصراع القبلي الدائر فى المنطقة – كما فى مناطق أُخري فى السودان، بما فى ذلك، دارفور – بسبب عقلية “قادة” الدولة الإنقلابية، وقادة المليشيات، و”بعض” قادة الحركات المسلحة الحاكمة، والمتحكّمة فى السودان، وبسبب سياساتها وممارساتها الخرقاء، التي كرّست حالة الاحتقان الأمني والسياسي والقبلي، وغذّت خطاب الكراهية والعنصرية والعنف المجتمعي، فى هذا الإقليم المشهود له تاريخيّاً، بالتسامح والتعايش السلمي، واعلاء قيم العيش المشترك بين مختلف مُكوّناته المجتمعية !.


-7-
ما يحدث فى إقليم النيل الأزرق، من عنف واقتتال قبلي، يجيء، لتحقيق مكاسب سياسيّة ضيّقة، لمصلحة مجموعة سياسية معروفة للجميع، والهدف منها ترتيب المسرح السياسي، لإنتخابات كاذبة “مغشوشة”، يُحقّق فيها تحالف قادة الإنقلاب، وقادة الحركات المسلّحة، ومليشيا “الدعم السريع”، انتصارات زائفة، عبر احداث تغيير “ديموغرافي”، فى السكّان، يؤثّر فى خارطة وتقسيم الدوائر الإنتخابية، وقد ظهرت بوادر ذلك “التغيير” فى إقليم النيل الأزرق، بعد أن تمّ تجريبه فى دارفور، بمحاولة خلق الفتنة والشقاق بين السكّان، بمحاولة إجراء تغييرات إدارية، فى هيكلة ونفوذ وتراتبيّة الإدارة الاهلية فى الإقليم، بما يوافق طموحات ورغبات الساسة الجُدد، وبخاصّة المنتمين للحركات المسلّحة، أو المحسوبين عليها، لفرض واقع جديد، فى إطار التسوية التي تتم بين قادة الجيش “الإنقلاب”، والحركات المسلحة، الموقعة على اتفاقية (سلام جوبا) التي ثبت – تماماً – زبما لا يدع مجالاً للشك، أنّها لم تحقق أيّ سلام، بل، فاقمت الأوضاع، أكثر، وأكثر!.


-8-
باختصار، نستطيع أنّ نقول، إنّ ما حدث، ويحدث، فى إقليم النيل الأزرق، هو (جريمة ضد الإنسانية)، يتطلّب ملاحقة ومحاسبة ومعاقبة العقل المدبّرلها، وكل مرتكبيها “دوليّاً”، ويشمل ذلك – من قبل ومن بعد – كل المتسبّبين الحقيقيين فيها، مهما كان شأنهم، وحصانتهم، ووضعهم السياسي، وذلك، ببساطة، لأنّ الجرائم ضد الإنسانية، وفق القانون الدولي، والتجربة العالمية، هي جرائم فظيعة وشنيعة، تتّسع رقعتها وقاعدتها، لتشمل جرائم التطهير العرقي، وجرائم الإبادة ، وجرائم تهجير الآخرين، وإذا أمعنّا النظر فيما يحدث فى إقليم النيل الأزرق، نجده، يتطابق تماماً، مع وصف الجرائم ضد الإنسانية، التي يصعُب – بل يستحيل – التصدّي لها، فى إطار ولاية القضاء الوطني والمحاكم المحليّة، وذلك، بسبب الحصانات، وقدرة المخططين والمتورطين الحقيقيين فى هذه الجرائم البشعة، على الافلات من العقاب!


-9-
لا شك فى أنّ النزاع الذي اندلع فى النيل الأزرق، هو نزاع تتحمّل مسئوليته الكاملة السلطات المحليّة والمركزية – فى كل مستوياتها -، وهي ذات السلطات الإنقلابية، التي لم تستمع للنداءات والتحذيرات، التي ارتفع صوتها منذ أكثر من شهرين، لأنّ حجم “التوتُّر” القبلي، وطبيعته، وأهدافه، والغايات المرجوّة منه، أصبحت معلوماً للجميع، ناهيك عن سلطة، مفترض فيها أن تكون لها مؤسستها وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية، وغيرها من وسائل السلطة والقوّة، ومراكز أو وحدات “التنبوء”، التي تُمكّن الحكومات العاقلة، من اتخاذ التدابير الاحترازية، المعروفة – بالضرورة – فى علوم إدارة وفض النزاعات، وتجاوز الأزمات !.


-10-
أمام هذا الواقع المازوم، يتوجّب على كل القوي الحيّة فى المجتمع، فى النيل الأزرق، بصورةٍ خاصّة، والسودان بأكمله، التصدّي لهذه الجريمة النكراء، برفع الصوت العالي ضدّها، وتنسيق الجهود والمواقف لتحقيق حماية الضحايا والناجين والناجيات، وتوفير ملاذات آمنة لإستقبالهم، فى الإقليم، والمناطق المجاورة، وليتكامل هذا الجهد، بدور المجتمعات التي يفر إليها – أو يصلها – الناجون والناجيات، من بورة النزاع، ونيران العنف الدموي، وعلينا – أجمعين – العمل على فض النزاع، عبر الآليات المجتمعية والشعبية، التي تبادر فى تاسيسها وتفعيلها، منظمات المجتمع المدني، وحركة حقوق الإنسان السودانية، وحركة المدافين والمدافعات عن حقوق الإنسان (سودان ديفندرز)، عبر تسخير قدراتنا ومعرفتنا فى تحديد التحدّيات الإنسانية، التي يواجهها المجتمع المتضرّر، وتعزيز جهود بناء الثقة بين المجتمعات فى المنطقة، مُضافاً إلى أدوارنا المعروفة فى توثيق الانتهاكات، وتكثيف جهود المناصرة، وفى ذات الوقت، مواصلة المطالبة بتحقيق العدالة الدولية، لأنّ الأجهزة الشرطية والعسكرية والأمنية فى السودان، ليست مُحايدة، فحسب، بل، نجدها ضالعة فى الصمت المريب، والتواطؤ المفضوح، كما أنّ التدخّلات النيابية – وبعد بيان النيابة المثبّت نصّه فى أعلي هذا المقال – تكون، ليست مؤهّلة – مهنيّاً وأخلاقيّاً – فى التحقيق فى أحداث النيل الأزرق، ولن يفوتنا أن نُضيف أنّ القضاء الوطني، لن يكون قادراً أو فاعلاً، فى تحقيق العدالة، وذلك، بسبب سيطرة الإنقلابيين، على مقاليد الحكم فى البلاد، وتعطيلهم، للمؤسسات، وتعدّيهم السافر على كل قيم فصل السلطات !.


-11-
نختم بتنبيه الصحافة والإعلام “الميديا”، بمختلف أشكالها وأنواعها، للاطلاع العاجل بواجباتها ومهامها المعروفة فى تغطية النزاعات، وفق معايير المهنية والاحترافية المطلوبة، فى تعامل الميديا مع النزاع، ونحذّر من أن تكون الميديا المحترمة، ميديا “مُنتهكة”، لحقوق الإنسان، وندعو زميلاتنا وزملائنا فى الصحافة والإعلام ومجتمع الميديا فى السودان، إلى مراعاة حساسية النزاع والنوع الإجتماعي، وهذا حديث يطول!.


جرس أخير:
“حرب ..لالا.. لالا… كُبرِي اِسبتالة … صالة للثقافة … تسرح الغزالة .. جنبها الزرافة.. ركّ قُمري، طار… قيرة .. قيرة.. قيرة… نطّط الصغار …صفّق الترولّي.. طمّن القطار… حلّقت، وحلّقت .. حمامة المطار… كل طلقة بينّا – نحن – تبقي وفرة … سمسماً، وبفرة… سُكّراً وشاي … جاي .. وجاي.. وجاي … مافي حاجة ساي… كلو عندو دين ..كلّو عندو راي… بور .. وبورسودان .. بارا .. والجنينة … عبري .. ولّا، واو … حاجة مُش كويسة .. كل زول براو” ((محجوب شريف))
فيصل الباقر

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد