الحل الذى يرضى الكل .. ويتحاشاه الجميع !!

من الأسافير – مجاهد بشرى يكتب

ازمة الانقلاب العسكري الحالية كشفت عن قصور كبير في الفكر ( الجمعي ) للمناهضين للإنقلاب من كل قوى الثورة دون استثناء, هذا القصور يُصعّب من ايجاد رؤية مشتركة تجمع وتوحد هذه القوى تجاه الانقلاب المترنح أمامهم, فمثلا نجد ان الحرية والتغيير ولجان المقاومة والحزب الشيوعي وتجمع المهنيين يتفقون على ( اسقاط او انهاء الانقلاب), وعدم الثقة او الشراكة في المكون العسكري المتمثل في المجلس العسكري, والمناداة بإيقاف القتل والاعتقال ورفع حالة الطوارئ, والمحاسبة وعدم الافلات من العقاب … الخ
في حين ان الانقلاب العسكري منشق على نفسه و لا يكاد يتفق الا على النجاة من المحاسبة والافلات من العقاب, فالبرهان وعسكره اصبح بينهم وبين دقلو وجنجويده هاوية كبيرة تجري حمم ملتهبة في قاعها, ويواجهان سخط دولي حتى من حلفائهم لأسباب سأشرحها و أذكرها …
الحركات المسلحة وكل القوى التي اختارت جانب الانقلاب هي الأن تحت رحمة ما ستسفر عنه الايام, ولن يكون لها اعتراض على ما يقرره العسكر من تسليم سلطة او انهاء انقلاب او ما تسمّه …
هذا يُعيدنا إلى المكاسب التي تقبع أمام قوى الثورة ومناقشة الحل الذي يحفظ للجميع ما يريد, دون تخوين او شقاق, وشرح للفخاخ التي ينصبها العسكر الآن, وكيفية عدم الوقوع فيها .
1- من أول المكاسب لقوى الثورة هي تحييد الداعميين الإقليميين للإنقلاب , وهو أمر اسهم فيه غباء الانقلابيين أنفسهم, فقد استفاقت مصر للمرة الثانية في تاريخها على أن هذا الانقلاب هو انقلاب للأخوان المسلمين على السلطة, وليس مجرد انقلاب عسكري, وهي تشعر بالخيانة و انه قد تم استغبائها وخداعها, ويظهر هذا بجلاء في البرود و الجفاء من قبل الإدارة المصرية تجاه الانقلاب مؤخرا, مع توقف زيارة المسؤوليين الأمنيين والعسكريين المصريين للسودان, ولا يختلف موقف الامارات او السعودية من موقف مصر من الاخوان المسلمين, الذي كشفوا كل اوراقهم فرحا بهذا الانقلاب الفاشل,
والشق الثاني هو استمرارية الدعم الأمريكي السياسي لهذه الجهود, ففي ظل حرب اوكرانيا, ظلت مؤسسات القرار الأمريكية, ومن قبل الانقلاب تدعم التحول المدني الديمقراطي, وبعد الخطوة الانتحارية في حضن روسيا التي قام بها زعيم الجنجويد, انتبهت أمريكا لزحف روسيا إلى افريقيا عبر السودان الذي يعتبر بوابة استراتيجية ويمثل أهمية قصوى للداعمين الاقليميين …
وقد اشرت سابقا أن السياسة تعني أن تكسب بأقل مجهود ودون خسائر, وأن تكسب معسكر الاقليم و امريكا في صفك, سيساهم في اضعاف الانقلاب وجعله يخسر ركيزته الوحيدة التي يعتمد عليها .
2- انهاء او اسقاط الانقلاب العسكري بصورة سلمية, سيعني انه ولأول مرة في تاريخ السودان سيتم تسليم السلطة من قبل من قاموا بإنقلاب عسكري, وكتابة نهاية فعلية لفصول الحكم العسكري الايدلوجي او الدكتاتوري, وهو نجاح سيُحسب لكل قوى الثورة وفي مقدمتها لجان المقاومة, وسيكون حتى في مصلحة المؤسسة العسكرية ومستقبلها, وسينعكس ايجابا في الحياة السياسية المدنية.
3- ما ستترتب عليه الخطوة لما بعد انهاء او اسقاط الانقلاب سيكون فيها التنافس او الصراع مدنيا خالصا في جو ديمقراطي تكون فيه الغلبة لمن يملك رؤية افضل, ومساندة شعبية يقررها الناس, دون الخوف من تغول شخص ببندقيته لتحويل مسار العملية السياسية لإتجاه بقوة السلاح …
أمام هذه المكاسب هنالك فخاخ نصبها العسكر للحيلولة دون الوصول إليها من جانب المدنيين, وأول فخ هو فخ تقسيم او قطع الطريق أمام توحد قوى الثورة بمبدأ فرّق تسد, فالقبول بالجلوس مع قوى الحرية والتغيير يعني ان تُغلق لجان المقاومة والحزب الشيوعي وتجمع المهنيين أبوابها في وجهها وجعلها تقف وحيدة, في أهم توقيت للتوحد على الرؤية ولو اختلفت الوسائل, وهو فخ مباشر وبسيط, والجميع يراه, لكن ماهو الحل لتفاديه ؟
الحل هو ان تقبل قوى الثورة او تقر وتسلم بإختلاف وسائلها في الوصول إلى الغاية او الـ End Game, وأن هذا لا يقدح في ثورية او صدق احد هذه المكونات, وأن التشاور والتناصح و تبادل الاراء من أجل تقوية التيار المناهض للإنقلاب, سيعجّل بالوصول إلى الغاية المرجوة, الا وهي تنحي العسكريين من السلطة وانهاء ما ترتب عليه من انقلاب …
لكن أهم الحلول الأن لتفادي مسألة اللاءات الثلاثة و التي أؤمن بها شخصيا هي ان تتخذ قوى الحرية و التغيير و بقية قوى الثورة موقفا واحدا بأن يذهب البرهان من رئاسة الجيش, ويحال للتقاعد فورا فذهاب البرهان لوحده يعني انهيار كل مكونات الانقلاب من جنجويد و كيزان و لجنة أمنية, فالرجل هو مصدر كل الشرور , وما تسبب به من اضرار للدول الاقليمية والمحاور واسرائيل, وللعملية السياسية وجرائم القتل المروعة, والانقلابات العسكرية, يجعله كبشا أسود, ومعرقل رئيسي لجميع الجهود, وهو سيصر على عدم تسليم السلطة حتى ولو اجتمع كل أهل السودان في صعيد واحد طالما لم يجد ما ينقذ به نفسه, وهو أمر طبيعي و مفهوم …
وبذهابه ستفهم قوات الشعب المسلحة السودانية انها مازالت مؤسسة من مؤسسات الدولة, لا يميزها شيء, ولا يعاديها احد دونا عن بقية المؤسسات, وهنا يمكن للجان المقاومة ان تتنفس الصعداء, وتتحدث مع هذه المؤسسة وتلزمها بضرورة الابتعاد عن السلطة بل و كتابة مواثيق او دستور يؤمن ذلك, وهذا سيلغي اللاءات المتبقية بعد خروج العسكر من السلطة و ذهابهم للثكنات, ثم تبدأ العملية السياسية وترك القرار للشعب في الالتفاف حول قضاياه الاساسية, سواء عبر ميثاق سلطة الشعب او اي ميثاق سياسي جديد …
وانا على ثقة بأن كل من يُقدّم مصلحة البلاد اليوم لإنقاذها من براثن العسكر والحركات والجنجويد وشبح الفقر, والانقسام والحروب الذي يلوح في الأفق, سيحصد في المستقبل القريب ثقة كل السودانيين ورضاهم ودعمهم ومساندتهم له,
فالشعب السوداني يسبق كل شعوب المنطقة من ناحية الوعي السياسي, وهو الان شعب شاب ومتنور وقوي و مصادم ويعرف كيف يقتلع حقه, ويجلس في موقع يحسده عليه العالم, ويمكنه أن يكون ما يشاء ….
صدق المواقف السياسية يكمن في الا يخالف السياسيون رغبة الشعب, والا يدعي العسكر الوصاية على أحد, وأن ينصرف كل إلى عمله من أجل السودان ومصلحته العليا … فالسودان هو الأهم وسلامته هي الضرورة والغاية قبل كل شيء أو أحد والحل الذي يرضي الكل يجب الا يخشاه الجميع .
وقد انتهى زمن حكم العسكر إلى الأبد ولن تكون هنالك شراكة او تفاوض او شرعية لأي شخص يفرض نفسه على السودانيين مدنيا كان او عسكريا فالسلطة سلطة شعب… لمن يفهم .

