بدون دبلوماسية
بدون دبلوماسية

بقلم: عمر التوم
في الآونة الأخيرة، انتشرت ظاهرة الحفلات الخيرية والبازارات المدفوعة الأجر بصورة لافتة، حتى أصبحت تُقام تحت لافتات الدعم والمساندة والعمل الإنساني.
ورغم أن النوايا قد تكون حسنة لدى البعض، إلا أن الأمر يستحق وقفة صادقة مع النفس، بعيداً عن المجاملات والعواطف العابرة.
نحن السودانيين عُرفنا منذ القدم بالكرم والتكافل والوقوف مع بعضنا البعض في أوقات الشدة قبل الرخاء.
كانت “الفزعة” جزءاً أصيلاً من ثقافتنا، وكانت الأيادي تمتد بالعطاء دون انتظار مقابل أو تذكرة دخول أو مظاهر احتفالية تستهلك ما يمكن أن يسد حاجة محتاج.
لكن، وللأسف، يبدو أننا فشلنا في أول اختبار حقيقي لقيمنا الاجتماعية منذ اندلاع الحرب في بلادنا، وما تبعها من نزوح وتشرد وفقدان للأمان.
آلاف الأسر أصبحت بين ليلة وضحاها بلا مأوى، وبلا مصدر دخل، وبلا أدنى مقومات الحياة الكريمة، بينما في المقابل تتزايد الحفلات الغنائية والفعاليات المدفوعة تحت مسميات الدعم واعمال الخير.
هنا يبرز السؤال المؤلم:
ألسنا أولى بأن نقف مع أنفسنا ونتفكر بصدق؟ كيف لنا أن ننفق مبالغ طائلة على تذاكر حفلات وبازارات، بينما ذات المبلغ ربما يسد رمق أسرة كاملة، أو يوفر دواءً لمريض، أو يعين نازحاً فقد كل شيء؟
القضية ليست في الفرح بحد ذاته، ولا في معاداة الفنون أو الأنشطة الاجتماعية، وإنما في ترتيب الأولويات، وفي فهم معنى التضامن الحقيقي في زمن الأزمات. فالأوطان المنكوبة لا تحتاج إلى مظاهر بقدر ما تحتاج إلى ضمير حي يشعر بمعاناة الناس.
إن العمل الإنساني لا يُقاس بحجم اللافتات ولا بعدد الصور والمنشورات، بل يُقاس بالأثر الحقيقي الذي يصل إلى المحتاجين.
وربما آن الأوان لأن نعيد النظر في كثير من الممارسات التي تحولت من مبادرات دعم إلى ما يشبه “تجارة الأزمة” بصورة أو بأخرى، حتى وإن كان ذلك دون قصد.
يبقى الأمل أن نستعيد روح السوداني الأصيل ، روح التكافل الصادق الذي لا ينتظر مناسبة ولا يبحث عن ضجيج، بل ينحاز للإنسان أولاً، لأن الأزمات تكشف معادن الشعوب، وتعيد تعريف معنى الرحمة والمسؤولية تجاه بعضنا البعض.

