عمر البكرى أبو حراز يكتب: لماذا فشلت الفترة الإنتقالية الثالثة..؟!

95

لماذا فشلت الفترة الإنتقالية الثالثة..؟

المهندس عمر البكرى أبو حراز متداولة

أبعاد برس

ذكرنا في مقالات سابقة إن تجمع المهنيين بمسمياته المختلفة قاد ثلاث ثورات ناجحة أسقطت ثلاثة أنظمة عسكرية حكمت البلاد بعد ثلاثة إنقلابات، قاد المهنيون بعد إسقاط الأنظمة العسكرية الثلاث، فترات إنتقالية نجحت إثنتان وفشلت واحدة، تجمع المهنيين الأول كان تحت مسمى جبهة الهيئات وكان مقره دار أساتذة جامعة الخرطوم، حكم في فترة إنتقالية قصيرة أدار فيها البلاد في حكومة مدنية كاملة برئاسة سر الختم الخليفة بعد سقوط إنقلاب 17 نوفمبر 1958م في 21 أكتوبر 1964م،

كان في الفترة الإنتقالية هذه المكون العسكري ممثلاً في شخص الفريق إبراهيم عبود في القصر رمزاً للسيادة التشريفية فقط، قامت بعد أقل من سنة انتخابات ناجحة عام 1965م في 228 دائرة نال منها حزب الأمة (92) دائرة، والحزب الوطني الاتحادي (68)، وحزب الشعب الديمقراطي (الختمية) (3)، أحزاب الجنوب (17)، وجبهة الميثاق الإسلامي (5)، والحزب الشيوعي (11)، ومستقلين (37) دائرة،

تكونت حكومة إئتلافية بقيادة حزب الأمة كان فيها المرحوم محمد أحمد محجوب رئيساً للوزراء عن حزب الأمة حتى قيام إنقلاب 25 مايو 1969م اليساري بقيادة العقيد جعفر نميري. حكم نظام مايو (16) عاماً تأرجح الحكم فيها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين عندما أعلن نميري قوانين الشريعة في سبتمبر 1983م،

قاد تجمع المهنيين الثاني تحت إسم تجمع النقابات ومقره كان دار المهندس في الخرطوم ثورة شعبية تُوجت بعصيان مدني وإضراب سياسي شامل في 3 أبريل 1985م، أدى إلى انحياز القوات المسلحة للثوار في 6 أبريل 1985م بإعلان البيان الأول من المشير عبدالرحمن سوار الذهب الذي أشرف على التحول الديمقراطي من مكتبه في القصر كرمز للسيادة التشريفية، رئيساً لمجلس عسكري إنتقالي من 20 ضابطاً يمثلون وحدات القوات المسلحة قابعين في مكاتبهم في وحداتهم العسكرية، وكانت إدارة الدولة الفعلية في أيادي المدنيين في مجلس وزراء برئاسة د. الجزولي دفع الله وأعضاء تم اختيارهم بواسطة تجمع النقابات المهنية، وكان الإتفاق على فترة إنتقالية لمدة عام واحد فقط جرت بعده انتخابات ناجحة في العام 1986 عاد بعدها مباشرة الجيش إلى الثكنات دون أي مشاكل، كانت نتائج إنتخابات 1986م التي جرت في 246 دائرة كالآتي:


حزب الأمة (100) دائرة، والاتحادي الديمقراطي (63)، والجبهة القومية الإسلامية (50)، والحزب القومي السوداني (جبال النوبة) (8)، والحزب الشيوعي (2)، وأحزاب الجنوب (15)، ومؤتمر البجا (1)، ومستقلين(7) دوائر.

الفترة الإنتقالية الثالثة غير الناجحة هي الحالية والتي بدأت في 11 أبريل 2019م بعد سقوط حكم الإنقاذ العسكري بقيادة المشير عمر البشير، الذي استمر لمدة ثلاثين عاماً من يونيو 1989 حتى 11 أبريل 2019م.

نجح تجمع المهنيين السودانيين في قيادة الثورة منذ ديسمبر 2018م في مواكب هادرة واعتصام تاريخي حول القيادة العامة في 6 أبريل 2019م. لماذا تعثرت الفترة الإنتقالية الثالثة؟ فشلت الفترة الإنتقالية الحالية للأسباب الآتية:

أولاً: تحديد الفترة الإنتقالية بثلاث سنوات

كان الخطأ الأول إذ أن الفترات الإنتقالية عادة ما تشهد تجاذبات سياسية كبيرة تزداد ضراوتها مع مرور الفترة الإنتقالية، لهذا السبب نجحت الفترتان الإنتقاليتان الأولى والثانية أعقبتها انتخابات وإن كانت نتائجها شائهة لكنها مرت بسلام.

ثانياً: الفترتان الإنتقاليتان الأولى والثانية قادهما التجمع المهني


الفترتين قادهما التجمع المهني دون مشاركة حزبية، إذ انشغلت الأحزاب بالإعداد للإنتخابات لأن الفترة قصيرة.

في هذه الفترة الإنتقالية المترنحة دخلت الأحزاب السياسية في حاضنة الثورة الأصلية- تجمع المهنيين السودانيين- قبيل سقوط الإنقاذ وكونت قوى الحرية والتغيير والتي سرعان ما دبّ فيها الشقاق وتبادل الإتهامات، مما أدى إلى خروج الحزب الشيوعي منها وبذلك انقسم تجمع المهنيين إلى قسمين بين الحزب الشيوعي ومكونات الحرية والتغييرالأخرى.

ثالثاً: في الفترتين الإنتقاليتين الأولى والثانية لم يكن المكون العسكري مشاركاً في إدارة الدولة ولم يتم أي خلط بين المكون العسكري والمدني في أي جسم من أجسام الحكم، بل كان المكون العسكري سيادياً تشريفياً ولم يتم أي تقاسم في الحكم كما حدث في الوثيقة الدستورية التي ألغيت في 25 أكتوبر 2021م، كل ذلك لأن الفترة الإنتقالية التي تم اعتمادها طويلة لمدة ثلاث سنوات أتاحت للمكون العسكري التمدد في مهام من صميم مسؤوليات المكون المدني مثل اللجنة الاقتصادية العليا ورئاسة عملية إتفاقية سلام جوبا.

لماذا قبل المكون المدني ذلك التنازل عن حق أصيل مكفول له في الوثيقة الدستورية؟ ولماذا وافق على إجراء مفاوضات السلام خارج البلاد وفي جوبا

خاصة بعد زوال حكم الإنقاذ الذي خلق الحروبات الأهلية في دارفور والنيل الأزرق؟ إذ أنه بعد زوال الإنقاذ انتفت الأسباب التي تجعل قيادات الكفاح المسلح خارج البلاد،

ماذا كان سيحدث لدكتور جبريل، ومناوي، ومالك عقار والحلو وعبد الواحد وغيرهم لو حضروا إلى الخرطوم وأداروا مفاوضات السلام تحت أي رعاية دولية أو إقليمية تضمن سلامتهم وتسهل عملية التفاوض؟.

لكل ما تقدم يجب على قوى الحرية والتغيير أن تعترف بالخطأ الجسيم المتمثل في المطالبة بفترة إنتقالية طويلة وخلط الأوراق بينهم وبين الشريك العسكري، في وثيقة تجعل المكون العسكري في قلب الحكم الإنتقالي المباشر وهم يدركون أن انحياز المكون العسكري كان بحسب التراتيبية العسكرية التي عملت مع الإنقاذ حتى 11 أبريل 2019م، عليهم الإعتراف أيضاً بخطأ السماح للأحزاب السياسية بكل ألوان طيفها وتوجهاتها السياسية ومعاداتها للثورات الراديكالية ومطالباتها المستمرة منذ سبتمبر 2013م بالهبوط الناعم لحكم الإنقاذ.

أدي دخول الأحزاب في الحاضنة الأصيلة للثورة إلى تجاذب وتناحر واختلافات استفاد منها المكون العسكري في استقطاب من يريدهم، كل ذي بصيرة ورؤية ثاقبة كان يدرك أن المكون العسكري لن يسلم الرئاسة بعد انقضاء الفترة الأولى في الإنتقالية، وكان ذلك جلياً في إصرارهم على الرئاسة في الفترة الأولى من الإنتقالية.

الآن وقع السيف على رقبة المكون المدني يجب عليه الرجوع إلى الحق والإعتراف بالأخطاء التي ذكرناها، وعدم البكاء على اللبن المسكوب وعليهم التذرع بما بقي فيهم من قوة متمثلة في لجان المقاومة الصامدة التي تدفع مهر الدفاع عن الثورة دماء غالية عزيزة، وذلك بنبذ الخلافات وإعادة مكونات الثورة الرئيسية من تجمع مهنيين ولجان مقاومة وحركات كفاح مسلح إلى طاولة مفاوضات جادة مسؤولة تتفق فيها إلى حد أدنى بتحديد فترة إنتقالية قصيرة- عام ونصف- على الأكثر لإجراء انتخابات، بغير ذلك لن يُسلم المكون العسكري الحكم إلى المدنيين، عليهم تقبل الواقع المرير الذي فيما أرى سيقود السودان إلى متاهات ومحن لا يعلم مداها إلا الله.

الإتفاق الشامل في المكون المدني في أدنى حد وتحديد موعد قريب لانتخابات تختلف عن الماضية يكون فيها الحكم رئاسياً ديمقراطياً بديلاً للنظام البرلماني الذي فشل تماماً ثلاث مرات الحكم الرئاسي يتيح للقوى الحديثة خاصة لجان المقاومة التجمع في كتلة عظيمة قوية تخوض الإنتخابات بشخصية كارزمية قوية تضمن بها فوزها على القوى التقليدية وبعدها سيعود المكون العسكري إلى الثكنات إذ ستنتفي أسباب وجوده في المشهد السياسي المدني.
▪️منقول صحيفة التحرير

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد