عن الحركات والمسارات والصدوع التي في البيت .. سُنن السطوع والأفول

43
عن الحركات والمسارات والصدوع التي في البيت: سنن السطوع والأفول

فوزي بشري

علة هذه البلاد انها تكونت كيفما اتفق ثم أخذت تنمو كيفما اتفق فأديرت منذ استقلالها بكثير من الفهلوة السياسية الغارقة في المكاسب الحزبية و بكثير من الخطابية العاطفية من شاكلة ( منقو قل لا عاش من يفصلنا) حتى ذهب منقو تاركا وراءه أصداء نشيد بعثرته في البرية أوهام دينية وعرقية غفلت عن كون اختلاف الألوان والألسن من آيات الله. انفصال الجنوب كان كفرا بواحا بتلك الآيات.

ظل السودان بلا عقيدة وطنية جامعة راسخة مكينة تتعهدها آليات تعميق الوعي الوطني بالسقيا وتجذرها في نفوس بنيه سياسات اقتصادية راشدة تلحق المتأخر بالمتقدم و تنفسح في مساراتها أمام أبناء الوطن مؤسسات حزبية لا تتبع لآل زيد أو عمرو يكون قصارى وجودهم فيها تجميلي تكميلي

ولأن البلاد كان تمضي في مسيرتها كيفما اتفق دون تنبه من نخبتها الى الصدوع الكبيرة في البيت ولا الى صيحات الاحتجاج من بعض ساكنة هذا البيت من جهة تفاوت حظوظهم بسبب سوء إدارة المسؤولين عنه وقع وعي أولي لدى قطاعات واسعة أن البيت السوداني بحاجة الى إصلاح جذري يتجاوز عمليات الترميم التي تضمنتها العبارة المحتالة: قسمة الثروة والسلطة.

فلم يكن فحواها عند فحصها شيئ غير اقتسام الجدران والسقوف المتصدعة.. ذلك وهم.. ذلك عبث سياسي وما نعيشه اليوم هو بعض ثماره المرة .

لقد ظلت النخبة السياسية المدنية منفردة أو متواطئة مع النخب العسكرية في حالة من الهرب الدائم من أسئلة ( تأسيس الدولة السودانية) حتى أعياها الهرب ولم يبق في منوال الكذب خيط. ها هي أسئلة (التأسيس) تقف قبالتنا جميعا: يحدث هذا ونحن أشد ما نكون ضعفا وقلة حيلة حتى أدخل يده في شأننا من لا يحسن كتابة جملة ديمقراطية واحدة.

لن ينصلح أمر هذه البلاد حتى يصار الى تأسيس جديد .. الى هندسة واعية للوطن يعكف عليها أهل الاختصاص من علماء السياسة والاقتصاد والتاريخ والثقافة والاجتماع ويستأنس فيها بحكماء القبائل وما حسن من مواريث الاجتماع السوداني.

لن ينصلح أمر هذه البلاد حتى تحسن نخبتها وبشجاعة تعريف الوطن والمواطنة وحتى يتحرك ساستها دون احساس بالاستخداء تجاه الخارج. لقد بلغ كثير من الساسة السودانيين مبلغا من عدم الحساسية أصبح معه أكثرهم فلاحة أقدرهم على جلب المعونات والهبات.. وهذا هزال في الوطنية وعمى مستحكم عن غنى في الناس وفي الأرض والموارد يبحث عن قائد.

علة هذه البلاد غياب قائد يمنحها معنى أن تكون.. فالجماهير التي يقال إن هذا عصرها و وقت مجدها هذه الجماهير تبقى بلا فاعلية بلا علاقة سوية بالمستقبل حتى يخرج منها بطلها و قائدها فالتاريخ لم يغلق أبوابه بعد في وجه البطل الفرد. لكم يبدو وقتنا السوداني بلا بطل رغم التضحيات وغزارة الدماء المسفوكة.

ما علاقة هذا كله ( بأبو جلحة) و بكل ( أبو جلحة) سابق أو لاحق؟ ما علاقته بتصايح القبائل نهارا و ليلا تزمع سفرا لا تعرف وجهته ولا ما يكون من عاقبته؟

علاقته – رعاك الله وأصلحك- أننا في زلزلة اجتماعية كبرى لم تعرف مثلها منذ المهدية بوصفها أكبر حدث شكل قوام الاجتماع و التساكن السوداني خلال ما يقارب المائة وخمسين عاما، وهذه الزلزلة الاجتماعية التي تمثل الأزمة السياسية وجها من وجوها لعجزها عن التعبير عن الحقيقة الاجتماعية لن تهدأ حتى تكمل دورتها في الانشاء الجديد..

وهذا انشاء إما أدركته العقلانية والحكمة فضبطت ايقاعه ووجهته وإما مضى سبيله كيفما اتفق.. تلك هي اللحظة التي تكون فيها عرضة للاستباحة من ( القوى المتربصة) تلك هي اللحظة التي يفتح فيها التاريخ ( الظهور والأفول) للأمم والشعوب.

هل يعي الذين يتعاطون السياسة في الخرطوم أي براكين تثور تحت أقدامهم؟ و أي وطن يتسرب من بين أيدينا بسبب أيديهم؟
هل ثم أحد يدرك ذلك غير شباب السودان في شوارع الحزن والفجيعة فداحة ما ينتظر هذه البلاد التي أسلمتها بلادة الساسة على مدى عقود الى يد العجز التي ستسلمها الى سنن التاريخ تفعل بها ما تشاء..وسنن التاريخ لا تجامل أحدا.

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد