محمد حمدان دقلو .. خط أحمر !!

99
من الأسافير – محمد حمدان دقلو .. خط أحمر !!
فوزي بشري
<strong>فوزي بشري أرشيفية<strong>

من حديث ناظر الرزيقات ويمكن قراءة دلالات هذا التصريح في بوست تجده في هذه الصفحة نقلا عن أحمد المعلق الرياضي احمد الضي بشارة.

أما ما أقوله أنا هنا فهو الآتي رعاك الله و أصلحك: إعلم أن الدول لا تكون حتى يجتمع لها أمران شعب وأرض والشعوب دائما أسبق في الوجود من الدول. وهوية الدولة هوية طارئة على الدولة؛ الهويات الأشد رسوخا منها هي الهويات القبلية. فالسودانيون مثلا أصبحوا سودانيين بعد قانون الجنسية السودانية التي قبلها كثيرون منهم على كره منهم لها.

ولم تكن الشلوخ على وجوه الرجال والنساء في الزمان الأول إلا سيماء دالة على الهوية فيعثر الرجل على ( ابن عمه) بالنظر في وجهه دونما حاجة الى السؤال

ثم جاء زمان قبل الناس بعده هويتهم السودانية وغنوا لها لكن (الهوية القبلية ) بقيت مستكنة في الأفئدة في حالة كمون فإن صلحت الدولة واطمأنت شعوبها وقبائلها الى صلاح سياستها الآخذة بتعزيز الوحدة الوطنية وتعميق الهوية الجامعة بحيث تصير الى هوية ثانية لها قوة الهوية القبلية فإن اضطراد ذلك من شأنه أن يضعف الوعي القبلي ليحل محله وعي وطني يتعاظم ويكبر في أفئدة الناس حتى ينسيهم قبائلهم أو يضعف المحاججة بها أو نشدان نصرتها في الشؤون العامة.

ولا تزال الدولة تلم شعث تفرقها الاجتماعي بحسن السياسات والتدبير حتى تنتهي الى وضعية تنفصم فيها العلاقة بين القبائل وبين ما تزعم لها من أراض وحواكير تمارس من فوقها سيادتها وتتسع المواطنة فتكون بسعة الوطن. وقد تدخل الدولة في حالة من الضعف والهزال السياسي حتى تصبح ألعوبة في أيدي القوى الدولية والاقليمية وتبلغ من هوان أمرها أن تكف تماما عن الفاعلية السياسية والعمرانية.

ماذا يحدث ساعتئذ ؟ سترتد الدولة الى مكوناتها الأولى: الى قبائلها ومناطقها؛ وتخرج الهويات القبلية كأنشط ما تكون فتتشقق البلاد مسارات مسارات وينهض رجال القبائل لحماية حمى أراضيهم.

لقد في السنوات الثلاث الماضية هياج قبلي كبير أجج العسكر نيرانه في طلبهم النصرة على القوى المدنية الحديثة في صراع محموم على السلطة. بل إن الصراع أخرج بعض مشايخ الطرق الصوفية من خلواتهم فخاضوا فيما لا علم لهم به.

لقد انتهت السياسية السودانية أو للدقة انتهى صراع العسكر مع القوى المدنية الحديثة الى انتخاء ( من النخوة) القبائل والطرق الصوفية فأعملوا هدما دون وعي منهم الى هدم أسس الدولة السودانية و أسس المشروع الوطني الساعي الى بناء ( ذات قومية) متجاوزة للهويات الضيقة.

لقد استكمل العسكر الميراث ( الانقاذي) الذي وظف القبائل عبر المال السياسي لخدمة مشروع السيطرة على الدولة على مدى ثلاث عقود. فيا صديقي إن أردت أن تفهم حديث مادبو فأفهمه في هذا السياق: سياق الدولة الذاهبة في مسار التفكك.

فحميدتي يستبطن وعيا قبليا في معنى تعريف من هو ومن أين أتى. والبرهان يستبطن وعيا قبليا في تعريف من هو من أين أتى. ومن وراء الرجلين أقوام يرون أنفسهم في لجج الصراع هذه عبر هويات ضعفت صلتها بالدولة ليس لأنهم غير وطنيين ولكن بسبب ضغط (الهويات الصغرى) عليهم.

وبهذا المعنى فكل الممسكين بالأعنة منخرطون في صراعات أصغر بكثير من جغرافيا الوطن. إن أردت أن تحمل كلام مادبو محملا طيبا فأحمله على أنه تحذير من مغبة الصراع الذي لن يبقي على أحد.

إنه تحذير من المواجهة العدمية أكثر منه تخويف بها. أما إذا بدا لك حديثه كلام بدوي لا خبرة بالسياسة وإنه يصدر عن حميا قبلية لا معرفة لها بشؤون الدولة فإنك تخطئ من جهة إحسان ظنك بالدولة.

الدولة السودانية الآن بلا حكومة .. إنها كيان هلامي له بالعسكري ولا هو بالمدني، إنها المسخ الذي انتجه عدم قيادة الثورة كما ينبغي وهي القيادة التي فرطت في القوى التقليدية فتركتها مكانا لفعل العسكر والحصيلة ما ترى من إحياء القبائلية في كل السودان؛

وهي القيادة التي فرطت في شارعها الشاب المصادم الجسور فتركته قرابين للشوارع وللعنف يستدعى للمكاره وللمليونيات فاذا انقشع دخان البمبان عادوا الى ظلال الأزقة الى حين أوان عسرة.

حديث مادبو هو حصيلة هذا المشهد العبثي. إنه البيان العملي لحالة الدولة ساعة الكفر بها ضامنا للوحدة الوطنية وللكرامة الانسانية فما أكثر ما قتلت الحكومة من شعبها وما أكثر ما رملت ويتمت وأثكلت فاذا وقع في نفوس أنها ليست مظنة عدل و أنها تتصرف بعقلية قبلية فما بقي إلا التنادي وا غزية.

باختصار حديث مادبو وقف بالبرهان وبالناس جميعا سياسيين وناشطين معتدلين وجذريين وصوفية ومعتزلة وأشاعرة ومركزيين وميثاقيين ومسلحين وغير مسلحين وقف بهم عند شفا الهاوية فارجع البصر كرتين هل ترى غير ذلك يا هذا؟
الخلاصة: أقعدوا في الواطة وتخلصوا من الأوهام فلربما انفتحت البصائر … (فوزي بشرى)

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد