التعدين الأهلي حصائل مرتفعة وخسائر فادحة
بقلم: علي أحمد ابوسالمة
عندما أخبرنا مبارك اردول مدير الشركة السودانية في مطلع شهر سبتمبر الماضي متوقعا بأن صادر الذهب سيصل الي ٢.٦ مليار في نهاية ٢٠٢٢م ، وقد ذكر بأن عدد العاملين في التعدين التقليدي وصل الي ٢ مليون شخص
وقال أن الإنتاج التقليدي يمثل ٨٠% من إجمالي صادر الذهب ، وقد حقق نسبة مساهمة وصلت إلى ٢٥% من إجمالي الدخل القومي ….
ولكن لم يذكر لنا اردول ما حجم الخسائر الناتجة عن تنقيب الذهب وكم تبلغ كلفة إصلاحها…؟؟
ما جعلني أخوض في هذا الموضوع، كنت مرافقا إبن أختي وهو مريض في إحدى مستشفيات الخرطوم التعليمية الحكومية، وكان بالقرب من إبن أختي في عنبر المستشفى، شاب يافع وصغير لم يكمل عقده الثاني من العمر، أتضح لي بأنه مصاب بسرطان الرئة، وقد سبب له هذا المرض عمله بالتنقيب عن الذهب في ولاية نهر النيل من خلال إستخدامه مادة السيانيد بصورة مباشرة، دون وضع أي وسيلة لحماية،
وللأسف لم يكمل الشاب يومه الثالث في المستشفى، فقد فارق الحياة تاركا آلم قوي علي أمه التي لم تنجب غيره وعلى أهله ورفاقه في مناطق الذهب، ومثل هذا الشاب يوجد الكثير يعاني الأمرين إما الإصابة بالمرض أو فقدان أرواح، والكثير من الشباب في السودان هاجر إلي أماكن الذهب بحثا عن تحقيق أحلامهم واهدافهم في بناء مستقبل أفضل لهم وللأبنائهم وأسرهم شهورا واعوام ولكن في محصلة الاحتمالات أما الحياة أو الممات.
ومن سخرية المواقف حدثت في النظام السابق مشارك وفد حكومة السودان في مؤتمر يخص التعدين الأهلي أقيم في مدينة جوهانسبرج عاصمة جنوب أفريقيا، عندما أتيحت الفرصة لرئيس الوفد ليتحدث عن تجربة التعدين الأهلي في السودان واصفا للحضور حجم خسائر التعدين التقليدي وعدد الوفيات الذي وصل إلي ال 40 شخص معتقدا بأن الأمر ليس بالشي الكبير، وجد نفسه في ذهول أصاب المشاركين من الدول الأخرى الأمر الذي أدى الي كثرت الأسئلة والإستفسارات عن أسباب الوفيات،
وماهي أدوار الحكومة في فرض القوانين والشروط المنظمة للعمل وغيرها التي تحمي الإنسان والبيئة….؟؟؟
نعم عائدات الذهب كبيرة وقد ساهمت في الدخل القومي ، ولكن ما هو حجم تكاليف إصلاح ومعالجة ما سببه ضرر التعدين الأهلي وهل توجد برامج معدة ومنفذة لها..؟؟
وهل سوف تعيد الأرواح التى سقطت عليها الآبار وقبرت داخلها أم التي أصيبت بالسرطان وماذا عن المراعي الطبيعة (البطانة) والماشية التي نفقت بسبب شربها للمياه الملوث بالسيانيد وكذلك الأراضي الزراعية والمياه الجوفية التي أثرت علي إنسان المناطق المحيطة بالتعدين وكم كلفة معالجتها…؟؟
حمى الذهب أفقدتنا في السودان الكثير، فقد أحدثت فجوة كبيرة في سوق العمل من المهن المهمة والمتوارثة أبا عن جد كالزراعة (وجود مشاكل في التجهيز والحصاد) والرعي (هجرة ابناء الرعاة وترك مهنة الرعي التقليدي وهو يمثل نسبة ٩٠% من نظام الانتاج الحيواني في الثروة الحيوانية) والصناعات الخفيفة والتقليدية وأخرى، وهذا يشكل خطر كبير في الأعوام القادمة قد لا نجد أيدي عاملة شابة تأخذ ما توارثه الآباء من خبرة وإتقان.
صادر الذهب هو إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، ولكن بشكله الحالي أذا لم تهتم به الحكومة سيصبح كال (سرطان) في التكسب السريع والمميت المريع، فهو يصيبنا دون أن نشعر به،
وحتما ستكون نهاية اقتصادنا وفقدان مواردنا الاخرى، مثل ذلك الشاب الذي ضاعت أحلامه في سراب التطلعات ليصبح جثة هامدة بين ذراعي أمه المكلومة نسأل الله له الرحمة والمغفرة، كما نسأله ان يولي علينا خيارنا ليصلحوا ما أفسده الإهمال.