جعفر عباس يكتب : حديث ذكريات العيد !!

حديث ذكريات العيد – جعفر عباس


اليوم العيد، تقبل الله منكم الصيام والطاعات، واليوم من صباح الله يذهب الظمأ، وتبتل العروق والوردي شتلوها جوه قلبي (كما يقول مني مناوي)، واستعيد حديث الذكريات:

كانت أمي، عندما كنا نعيش في جزيرتنا بدين، تحرص على إعداد نوعين من كعك العيد، أحدهما له شكل وملمس الخشب المضغوط: تقضم منه قطعة فتنغرس شظاياه في اللثة ويختلط دمك باللعاب، فتحس بأنك تأكل نشارة خشب ناعمة، أما النوع الثاني فكان هشا ولذيذا ومغلفا بأطنان من السكر وتشم فيه رائحة السمن البلدي وهو مخبأ داخل السحارة (هل تعرفها؟)،

وأذكر انني وفي ذات عيد سرقت كميات من الكعك الناعم ووضعته في جيب جلابية العيد وخرجت متسللا من البيت وأكلت الكعك ثم عدت، وفوجئت بأمي تصيح: إن مِنا كوماري كوكنجي؟ ما هذا يا عديم الولي والكفيل؟ واقتربت منها وأنا لا أدري ماذا أزعجها فإذا بها تمسك بي من أذني وتنهال عليّ ضربا، ثم جردتني من جلابية العيد، واكتشفت ان الكعك ترك بقعا زيتية ضخمة في الجلابية ودمرها تماما

وكان عندنا في السودان ثلاثة أنواع من الحلوى: ريا وسعد وكريكاب، وكان أحد هذه الأنواع الثلاثة مصنوعا من الكوارع، لأن مضغه كان يؤدي إلى التصاق الفكين، ولو عندك حشوة في ضرس فإن تلك الحلوى كانت تنتزعها من لغاليغها، وكما كنا في عشا الميتين نقصد بيوت ميسوري الحال فقد كنا في عيد الفطر نغشى مقابر البرجوازيين لأن أهلهم الأحياء كانوا يضعون قرب شواهدها أنواعا جيدة من الحلوى والكعك، بينما لا تجد في مقابر الفقراء إلا بعض التمور ذات الجودة المتدنية (كشوش وجاو)

ثم دخلنا عصر العيد الاستعراضي: كل الكعك والمخبوزات “ماركة”، أي جاهزة الصنع بل ومستوردة، أما الحلوى فصارت باتشي وغوتشي وشانيل وبشاميل، والملابس من مانجو وتانغو وبانغو ونينتيندو، وكنت ذات عيد في لندن وحسبت أنني أتيت بما لم يستطعه آبائي وأجدادي، عندما اشتريت حذاء من كلارك في شارع أوكسفورد،

وعندما عدت الى الدوحة رأت بنتي الحذاء وقالت: فضحتنا.. أوع تلبس الجزمة دي قدام ضيوف، عندها تمنيت لو كنت محتفظا بعينة من الأحذية التي كان أهلي يشترونها لي كل عيد (صلاحية الحذاء لم تكن تزيد على 3 شهور)، فقد كانت أحذية “باتا” من القماش وإذا خلعتها بعد استخدامها ليوم دراسي واحد نقضت وضوء من يجلس بقربك، ولو رأى عيالنا ثياب الدمور المستوردة من نفايات مصانع النسيج الهندية، التي كنا نرتديها في المدارس والأعياد، لحسبونا من مواليد العصر الحجري

وكان حلم حياتي في صباي أن أجد يوما ما مبلغا كافيا للانفراد بعلبة حلوى “لكوم”، فقد كنا عادة نتشارك كمجموعة في شراء علبة لكوم ثم الشكلة تقوم حول من يفوز بالسكر المسحون في العلبة، وزرت قبرص ذات عام واشتريت من تلك الحلوى نحو عشرة كيلوجرامات مربعة، وظللت لمدة طويلة التهم منها بضع قطع يوميا، رغم أنها كانت عليها عبارة على صندوق كل منها صارت تفيد بأن صلاحيتها انتهت منذ شهور. وماذا يهمني وتقارير هيئة الصحة العالمية تفيد بأن صلاحيتي انتهت منذ عشر سنوات بحساب متوسط عمر الانسان السوداني.. يعني صاحبكم في مرحلة ضربات الجزاء “المرجيحية”
كل عام وأنتم أطيب من الذي قبله

جعفر عباس أبو الجعافر زاوية حادة زاوية منفرجة زوايا منفرجة كاتب ساخر
  • مقالات رأي
  • من الأسافير
Comments (0)
Add Comment