الأخبار

الميناء والاضطراب في شرق السودان

118

 

أحمد بن عمر

الميناء والاضطراب في شرق السودان

 قبل أسبوع نفذ العاملون في هيئة المواني البحرية إضراباً لمدة 24 ساعة تحذيرياً لتوقيف ما اسمته “تغول” في أعمال الهيئة المستقلة المسؤولة عن إدارة المواني البحرية، وإصدار قرارات تمس باستقلاليتها، عبر ضم بعض إداراتها لوزارة المالية, وتعتبر هيئة المواني من أكبر هيئات وزارة النقل الاتحادية وتعني بإدارة المواني في السودان.

مشاهد تجمع العاملون أمام بوابة رئاسة هيئة المواني في ميناء بورتسودان منفذين لاحتجاجات ليس شي جديد، فمنذ 6 سنوات والشهور الأخيرة للمعزول للبشير تحديداً ظلّ الميناء مسرح للصراع الذي أخذ طابع المكونات المجتمعية منذ أعلان ما يسمي “بمؤتمر سنكات”، ولكن تبدو الأزمة مختلفة هذه المرة وقد تنفجر في الشرق خلال هذه الحرب التي تعتبر  بورتسودان هي مقاراً لإدارة الجيش والحكومة فيها تقوم بادارة الجزء الخاضع لسيطرتها.

خلفية الأزمة

لتحديد أزمة الحكومة الحالية في ببورتسودان و نظرتها لوضع الدولة ففي حالة الحرب يجب عليك أولا الاطلاع علي السلسة التي كتب عنها بعنوان “كارثة سقوط المدن عسكرياً تمهيد لفصل إداري للمدن وليس فصل سياسي للأقاليم”, ففي الجزء الثالث تحدثت عن “موازنة الحرب” التي أجازها جبريل إبراهيم و أيضأ مقال “البحث عن الإيرادات بزيادة الدولار الجمركي” فيجب قرأتها أولا بتمعن ..

واليك عزيز/تي القارئ/ة .. الاهتمام بتأثيرات القرارات علي الدولة هو الوسيلة للتفسيرات السياسية للأحداث, فعندما يذكر وزير المالية جبريل إبراهيم في مؤتمر صحفي عن حوجته للإيرادات اعترافه بفقد 80% من إيرادات الدولة بسبب الحرب فهذا يجعل بعض الاتجاهات لتمويل الحرب أمراً يظل البحث فيه عن مشروعية وضع اليد علي المال لتزويد الجيش في حربه علي الدعم السريع أولوية قصوى.  

هذا الأمر جعل منذ اليوم الأول للحرب تحدي البحث عن الأمول هو الهم الأكبر فـألان الدولة تعتمد بشكل أساسي علي المنفذ البحري للصادرات والواردات من أجل استجلاب العملات الصعبة وحصائل الصادر من أجل تمويل الحرب وتكاليف تسيير ما تبقي من الدولة مما جعل تفكير وزارة المالية الأول في البحث عن إيرادات إضافيه من الشركات الحكومية أو التابعة للمؤسسات الدولة مما يعني أن هنا أزمة إدارية للمواني بتقاطع البيرقراطية المركزية والمحلية وهو ما سنتناوله.

الأزمة الإدارية للمواني

 أ- أنشاء  إدارة مراجعة داخلية تابعة للمالية داخل هيئة المواني البحرية، بدأت مبكراً بوصف المكونات المحلية استقبال الوفود الحكومية والحركات تبديدا للمال المحلي  الذي يُصرف علي هذا الوضع المختل, ومع تحفظات الجهات المحلية للأمر إلا أن شهر فبراير كان بداية (للرصاصة الأولي)…

فماذا حدث في أزمة السلطة الاتحادية والمحلية؟ ؟ (خريطة الصراع في نقاط) :-

1- قامت وزارة المالية عن طريق إدارة  (ديوان المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية) بمخاطبة مدير هيئة المواني البحرية ليقوم بإنشاء وحدة مراجعة داخلية داخل هيئة المواني البحرية السودانية مع أرفاق اسماء 5 موظفين لتعيينهم, ولكن مديرهيئة المواني المكلف محمد مختار (أعتذر) وعلل أعتذاره بأن لديهم هيئة مراجعة داخلية تتبع لهيئة المواني نفسها.

2- قام ديوان المراجعة الداخلية بمخاطبة وزير المالية حول أعتذار مدير هيئة المواني البحرية, فكان رد وزير المالية أن: (يتم الزام  مدير هيئة المواني بالقوانين واللوائح).

3 – قام مدير المكتب التنفيذي لوزير المالية في 17/2/2024م بمخاطبة مدير هيئة المواني مجدداً.

4- وبعد ثلاثة أيام نص قانون حول وحدات المراجعة الداخلية و شؤون الخدمة بالدوائر الحكومية أن يتم فصلها من الهيئات الحكومية و تبعيتها للدوائر المتخصصة حسب منشور (ديوان شؤون الخدمة التابع لوزارة العمل والإصلاح الإداري) الذي يحمل الرَّقَم 1/2024, وهي من ضمن قرارات كثيرة قام بها الوزير المكلف احمد علي عبد الرحمن.

5- خطوة المالية لإنشاء وحدة مراجعة داخلية كان سببها متابعة إيرادات الدولة وفقاً (للقانون) الذي تم اجازته في يناير 2023م و المسمي ب (قانون التعديلات المتنوعة لولاية المالية علي المال العام), الذي يعطي الصلاحية الأكبر لوزير المالية وقام القانون بتوسيع صلاحيته أيضأ وهو ما جعل الوزير يتدخل ب(القانون).

6- اعتمدت إدارة المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية في حجتها لهيئة المواني البحرية في (الخطاب) علي قوانين اعطيت لوزارة المالية مسبقاً, وقانون ديوان شؤون الخدمة التابع لوزارة العمل والإصلاح  الذي ذكرته أيضأ .. كـأمثـــلة :

(قانون المراجعة الداخلية 2010 ولائحته للعام 2011)

(توجيهات لمجلس الوزراء رَقَم 5 السابق لسنة 2021م)

(قرار وزير المالية رقم 25/2021م)

7- بناءً لذلك رفض مرة أخري مدير هيئة المواني المكلف محمد مختار خطاب الوزير وهو أمر وصفته الحكومة بالتطرف وعدم تنفيذ لوائح المؤسسات.

ب- قضية التخلص من المهملات

 قضية المهملات ليست جديدة ففي كل عام او عامين تخرج الي السطح في من لها احقية بيع المهملات عن طريق المزادات, ونذكر أن من العام 2008م في عهد م. إبراهيم حامد مدير المواني كان هناك جدل في الاتفاق في التخلص من المهملات بالرغْم أعترافه ب(قانون) بيع المهملات الذي يتفق عليه من (الجمارك – المالية – النقل), والاتفاق  يؤكد أنه لا يجوز للمواني (تدليل) المهملات من نفسها, بالرغْم أن حينها وزير الدولة بالنقل (فيليب طون ليك) قد ذكر ان هناك تجاوزات في عملية التخلص من المهملات.

 

ربما المثال لنوعية هذه الصراعات الداخلية بعيداً وكانت تتسم ببعض المرجعية البيروقراطية للمؤسسات, حسناً … فأذا عدنا  الي عام  الانقلاب الأول 2022م باشرت لجنة “حصر وتكشيف وبيع المهملات بالموانئ البحرية” عملها في بكل هدوء حيث استقبها المدير المكلف للمواني المهندس ابراهيم يوسف بمكتبه بحضور أيضأ مدير  التسويق مزمل حسن وهي لجنة مكلفة طِبْقاً لـِ القرار رقم 8 لسنة 2022م وقد قامت اللجنة بحل بعض المشاكل المتعلقة بالبضائع الحكومية والبضائع التي تخص الهيئات وما خلق إشكالات تتعلق بالتلف وكان لأبد من الوصول لصيغة (تَفَادَى) من المخاطر والانتفاع بالإيرادات الحكومية.

اذاً…

سؤال.. لماذا الاحتجاج الآن ؟

ولكن في مارس 2024م اندلعت من قبل المواني مؤكدة علي اعتراضها في عملية التخلص وهو أمر يجعلنا نتسأل لماذا قامت هذه الاحتجاجات في أمر بيرقراطية القرارات ؟ ربما السُلطات اعلي هذه المرة, فهي لجنة شكلت بموجب قرار من مجلس السيادة للتخلص من المهملات مع التأكيد علي خضوعها لقسمة الايرادات بما ذلك ضمان لمواني نفسها, وأن كان الأعتراض علي المدة الفعلية (من 3 أشهرا لي 45 يوم) فهو غير منطقي من قبل هيئة المواني ففي هذه الحالة المواني نفسها مستفيدة من القرار لفائدة مهمة وهي: (المساحة وتدوير الأرضيات يجعل من حركة الإيرادات جيدة من ناحية تشغيل), والمتضرر هو التاجر الذي ننتظر أن تمثله اللجان المختصة.

الجواب.. في تفكير العمال والموظفون

يتضح لنا أن أمول المهملات (ملك للعاملين وفقاً لقانون مجاز مسبقاً والذي لا يمكن إلغاءه إلا بواسطة برلمان) حسب ما ذكر سامي الصائغ عضو نقابة المواني البحرية التي استند إلي هذه الحُجة للاحتجاجات, ويبدو أن الأخوة العاملين يحتاجون الي المزيد علي الاطلاع علي قانون ولاية المالية علي المال العام لمعرفة كيف يتحرك الوزير من الناحية القانونية فالحال بعد يناير 2023 مختلف كما هو في السابق .

سابقاً لم يكن هناك ولاية مالية علي المال العام والهيئة لها الحق في التصرف في الفائض بعد تحقيق الربط السنوي للايرادات وفق  اللوائح الصادرة من هيئة الموانى البحرية, ولكن مع التغيير في السياسات في السنوات الاخيرة للنظام  تعتبر المالية أن ايراد الموانى هو أيراد للدولة مع الاحتفاظ بحق المواني نفسه الذي أعتبرته هيئة المواني “تغولاً”.

نتيجةً لذلك تظل الاحتجاجات حول اي محاولة لتدخل الدولة في المواني سلباً أو ايجاباً شيئاً أداة تعبيرية لها أبعاد سياسية ومجتمعية في بورتسودان من قِبل المموظفين والعمال, رغم محاولة النظام البائد مسبقاً في التعديل بأدخال الشركة الفلبينية كمثال وبعدها شركة مواني دبي واخرها ميناء ابو عمامة في عهد انقلاب البرهان حميدتي قابلته احتجاجات واضرابات, فهذا الصراع يمكننا تلخيصه في نظرة المكونات المجتمعية والعاملين في الهيئة بأنه صراع نفوذ بين السُلطة المركزية والسُلطة المحلية .

الميناء والإضراب والاضطراب هل ستكون هناك أزمة في شرق السودان؟

اندلعت الاحتجاجات من المظفون التابعين لهيئة المواني البحرية ومن ثم قامت وقفات احتجاجية نظمها عمال هيئة المواني البحرية ثم تلتها احتجاجات من اللجنة العليا لمناهضة الخصخصة الذي تحول لاحقاً لإضراب تحذيري لمدة 24 ساعة في 10 مارس, وسلمت لجنة مفوضة من العمال الأسبوع الماضي مذكرة لمجلس السيادة مطالبة بإلغاء القرار وأمهلت المجلس 72 ساعة للرد. 

أيضأ تدخل مكون البجا ( كعادته المحببة) في الشرق عن طريق مجلس نظارات البجا والعموديات المستقلة في الأمر, حيث حذرت بالمساس بهيئة المواني البحرية في بيان ممهور بتوقيع المتحدث الرسمي باسم المجلس (طه فكي) طالبت فيه البرهان للتدخل بتجميد الإجراءات التى اتخذها وزير المالية درءًا للفتنه التى بدأت شرارتها فى ألانتشار. 

ملخص المؤشرات…

1- مشروع قانون التعديلات المتنوعة لولاية المالية على المال العام  

هذا القانون الذي تم اجازته في يناير 2023م هو قانون غير شرعي لأنه صادر من سُلطة انقلابية وموقع بتوقيع عبد الفتاح البرهان نفسه رئيس مجل السيادة, وأن كان هناك شخص يري غير ذلك فعليه تقبل الأمر إذا بما في ذلك مجلس نظارات البجا (الحامي المجتمعي) وهيئة المواني التابعة للدولة والتي هي مؤسسة غير معنية بشرعية السُلطة مادام إنها تابعة للدولة.  

حذرنا من هذا القانون في فبراير 2023م من ما سيسببه من (استبداد) أداري في الدولة فهو قانون كرس لوزير المالية  النفوذ و الصلاحيات الواسعة بتبعية ديوان المراجع العام الي  سُلطات وزير المالية .. (لك أن تتخيل)!! وهي النقطة الفاصلة التي تتيح للوزير مراجعة شركات الحكومة التي تتبع له في آن واحد.

فلا ينسي العمال والموظفين في هيئة المواني البحرية ي أن الهيئة شركة حكومية خاضعة بالقانون لولاية وزارة المالية علي المال العام ويحق لها مراجعة الاداء الداخلي مع التعزيز بقانون المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية لسنة 2010م بضمان كل سلطاتها التي سمح لها الدخول الي اي مرفق وأتخاذ الاجراءات (حفاظاً علي المال العام).  

فأن كان هناك احتجاج حقيقي  للفائدة العامة و للسودان فليقم المحتجون في هيئة المواني البحرية و المكونات المجتمعية بالتنسيق مع بقية المؤسسات في الدولة لتجميد هذا القانون الي أن تأتي سُلطة تنهي الانقلاب والحرب وينظر لهذا القانون مرة أخرى, فمن حيث المبدأ ولاية المالية علي المال العام ظللت أبشر به ولكن من حيث التنفيذ فقد صاحبته الكثير من المشاكل, فلا تستطيع قانونياً هيئة المواني بمنع المالية من انشاء وحدة مراجعة داخلية ولا تسطيع منع المالية من الوصول الي إيرادات الدولة سواءً كانت في الجمارك أو المواني او أي متحصلات. 

2- التخوفات المصحوبة بالمؤامرة

التوترات بين النقابات او المكونات المجتمعية مع وزير المالية جبريل إبراهيم ليست الأولي حيث يعتقد السكان المحليون  أن وزير المالية يريد أفارقهم وتشريدهم من الميناء الذي يمثل موردهم المتمثل في الحفاظ علي عصبة المكونات وتوازناتها في الشرق وقد سبقه وزير الملية في العهد السابق معتز موسي الذي تصدى له العمال والمكونات بشراسة في عدد من القضايا أبرزها (الشركة الفلبينية).

وهذه التقاطعات يمكن أن تستثمر فيه أي جهة تريد لشرق أن يشتعل سواءً  كانت هذه الجهة (خارجية أو داخلية), وما حدث في تقديري الشخصي هي ليست مشكلة كبرى بين السُلطات المحلية والمركزية (رغم أن وزارة النقل تكتفي بالمشاهدة وهي الأخرى متخوفة من المالية من التغول حسب القانون الجديد), وتفسيري حول حساسية الأوضاع والتعبئة في قضايا الشرق في السنوات الاخيرة هي ما قادت الي هذا الاحتقان, والحال كما نشاهد قد يقود الأوضاع حالياً في شرق السودان نحو أنزلاق يمكن أن تعقبه فوضي في عاصمة الجيش والحكومة. 

3- تمويل الحرب

يقود الجيش الدولة الآن في الحرب, وسخرت الدولة ما تبقي من سُلطة إدارية لتمويل الحرب ويعد جبريل إبراهيم وزير المالية أكثر المُخلصين لقضية الحرب, فقد قام بوضع موازنة حرب تتضمن الأولوية القصوى لتمويل مشتريات الجيش والمرتبات العسكرية من الدولة نفسها, وهو أمر طوارئ اقتصادي يجعل من المالية تتجه نحو الميناء للاستفادة من أمواله التي تمثل 350 مليون يورو سنوياً في اسوء حالتها بعد الانقلاب الذي شهد قبل ذلك قفل الناظر(ترك)للميناء, والأن ورغم انخفاض حركة الشحن الي 20% بعد سقوط ولاية الجزيرة الا أن الميناء قادر علي تمويل جزء شحيح من متطلبات منصرفات الحرب عبرها, وكل استراتيجية التمويل تتم بمباركة البرهان نفسه ومساعديه.. فماذا سيفعل البرهان كوسيط لجأت له نظارات البجا (علي المدي المتوسط حتي نهاية العام الحالي) ؟ 

اخيراً..

ما هي أخبار صفقة ميناء أبو عمامة بعد التوترات مع دولة الأمارات العربية المتحدة  ؟؟

كيف ستتمكن من الحكومة والجيش من تمويل الحرب في حالة قيام احتجاجات في الشرق؟؟

كيف سيتفادي البرهان (التخدير المؤقت) للأزمة والتلاسنات بين المالية والمكونات المجتمعية المستمرة منذ أشهر؟؟

أكتب تعليقـكـ هنــا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد