صوت الحقيقة والضمير
صوت الحقيقة والضمير

بقلم: عمر التوم
عندما تهبّ عواصف الأزمات على أي مؤسسة أو جهة خدمية، تلتفت الأنظار تلقائياً نحو شخص واحد يقف في مهب الريح إنه “الإعلامي” أو المتحدث الرسمي لطالما صُوِّر هذا الدور على أنه “درع حديدي” مهمته تلقي الضربات وصياغة التبريرات، لكن الحقيقة والمهنية والإنسانية تقول غير ذلك تماماً.
فالإعلامي الحقيقي ليس آلة تبرير صماء، بل هو “نبض المؤسسة وضميرها” الذي يتحدث بلسان حالها، وهو في الوقت ذاته عين المجتمع وقلبه النابض.
إن مفهوم خط الدفاع الأول قد جرى تشويهه لسنوات طويلة، حيث ساد اعتقاد واهم بأن الدفاع يعني “الطبطبة” على الجرح، وتزييف الحقائق، ومحاولة إخفاء المشكلات بعبارات منمقة ووعود هلامية.
لكن في عصر الفضاء المفتوح والوعي المجتمعي المتنامي، لم يعد هذا الأسلوب يجدي نفعاً، بل أصبح بمثابة رصاصةالرحمة التي تطلقها المؤسسة على مصداقيتها.
الدفاع الحقيقي والصادق يبدأ من نقطة مختلفة تماماً، يبدأ من الإنسانية والمكاشفة عبر منهجية ثلاثية الأبعاد الاعتراف، الاعتذار، ثم الاحتواء.
شجاعة الاعتراف بأسّ المشكلة إن محاولة الالتفاف حول المشكلة أو تجميل صورتها تبدو كمن يضع مساحيق التجميل على جرح ينزف.
الخطوة الأولى والأهم للإعلامي الذي يملك ضميراً مهنياً هي الاعتراف الصريح والواضح بوجود الخلل
الاعتراف ليس ضعفاً، بل هو قمة الشجاعة والمسؤولية. عندما يخرج الإعلامي ليقول للجمهور نعم، لدينا مشكلة في الجانب الفلاني، ونحن نراها بوضوح فإنه يرسل رسالة غير مباشرة للمتضررين مفادها “نحن نشعر بكم، ولسنا في وادٍ آخر”.
هذا الاعتراف هو الذي يضع حداً للإشاعات ويغلق الباب أمام التأويلات، ويبني أول لبنة في جسر استعادة الثقة.
الاعتذار الإنساني الصادق للمتضررين خلف كل مشكلة خدمية أو تقنية أو إدارية في أي جهة، هناك بشر يتأثرون، وعائلات قد تتعطل مصالحها، وعملاء يشعرون بالخيبة.
هنا يأتي الدور الإنساني للإعلامي، إذ لا يمكن مخاطبة هؤلاء بلغة الأرقام الجافة أو باللوائح والأنظمة.
يجب أن يحمل الخطاب الإعلامي اعتذاراً دافئاً وصادقاً نابعاً من القلب.
اعتذاراً يقول للمتضرر نحن آسفون جداً لما مررت به، ونشعر بمدى الإحباط أو الضرر الذي تسببنا فيه كلمات الاعتذار البسيطة والصادقة تملك مفعولاً سحرياً في تهدئة النفوس الغاضبة، لأن الإنسان بطبعه يميل لتقدير من يحترم مشاعره ويقر
بخطئه.
شاي باليانسون
بعد أن يشعر الجمهور بأن صوته قد سُمِع، وأن ألمه قد قُدِّر عبر الاعتراف والاعتذار، يأتي دور الإعلامي في إعادة التوازن الذهني والنفسي للعملاء.
هنا يحين الوقت لتذكير الجمهور بالدور الخدمي والتاريخ النبيل الذي تقوم به هذه الجهة.
لا يُطرح هذا الدور بنبرة المنّ أو التفاخر، بل بأسلوب يبعث على الاطمئنان كأن يُقال “إن هذه المؤسسة التي واجهت هذه العقبة اليوم، هي ذاتها التي تسهر على مدار الساعة لتقديم خدمات كذا وكذا لقرابة مئات الآلاف من المستفيدين، وإن ما حدث اليوم هو استثناء لايمثل هويتنا ولا طموحنا لكم .
- صوت الحقيقة والضمير
- شركة تاركو .. أخطاء تُرى وإنجازات تُنسى
- بدون دبلوماسية
- كيف تختار اضحيتك
- قناة ” الزرقاء” تعين الإعلامية “هدي كمال” مراسلة رسمية لها في القضارف
هذه اللفتة الذكية والأمينة تساعد على وضع الأزمة في حجمها الطبيعي، وتذكّرالمتضررين بأن الإيجابيات والمنافع المستمرة من هذه الجهة تفوق بكثير هذه الكبوة الطارئة، مما يساهم بشكل فعال في امتصاص الصدمة وتخفيف الاحتقان.
بيت القصيد
في نهاية المطاف، إن الإعلامي الذي يخدم جهته بصدق هو من يحمي سمعتها ليس بإخفاء عيوبها، بل بإبراز رغبتها الصادقة في الإصلاح.
إن كسب قلوب الناس بالصدق والمواساة والاعتذار يُبقي حبل الود موصولاً حتى في أحلك الظروف.
حبة عند اللزوم
عندما يغادر الجمهور غاضباً بسبب مشكلة ما، فإن كلمة طيبة واعترافاً شجاعاً كفيلان بأن يجعلاه يقول لقد أخطأوا، نعم .. لكنهم احترموننا واعتذروا، وسيبقون خيارنا المفضل.
هذه هي الرسالة الإنسانية والمهنية التي تجعل من الإعلامي خط دفاع أول لا يُقهر، لأنه متسلح بأقوى درع في الوجود درع الصدق والمصداقية .

